إن الله عز وجل أمرنا برد التنازع إلى الكتاب والسنة، ولم يأمرنا برده إلى آرائنا وعقولنا فقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، فنهانا أن نقدم رأينا على الكتاب والسنة فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} .
قال ابن عباس رضي الله عنه: (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة) ، وقال أيضا: (نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه) .
وقال الضحاك: (لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم) [23] .
قال الإمام البخاري: (باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، {ولا تقف} ؛ لا تقل {ما ليس لك به علم} ) .
ثم روى بسنده [7307] عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) .
ثم روى بسنده أيضا [7308] عن سهل بن حنيف قال: (يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته ... ) .
قال الحافظ ابن حجر: (قوله - أي البخاري -؛"باب ما يذكر من ذم الرأي"، أي الفتوى بما يؤدي إليه النظر وهو يصدق على ما يوافق النص وعلى ما يخالفه، والمذموم منه ما يوجد النص بخلافه، وأشار بقوله؛"من"إلى أن بعض الفتوى بالرأي لا تذم وهو إذا لم يوجد النص من كتاب أو سنة أو إجماع، وقوله؛"تكلف القياس"أي إذا لم يجد الأمور الثلاثة واحتاج إلى القياس فلا يتكلفه، بل يستعمله على أوضاعه ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الأصلية، ويدخل في تكلف القياس ما إذا استعمله على أوضاعه مع وجود النص، وما إذا وجد النص فخالفه وتأول لمخالفته شيئا بعيدا، ويشتد الذم فيه لمن ينتصر لمن يقلده مع احتمال أن لا يكون الأول اطلع على النص) [24] .
واستدل الشافعي للرد على من يقدم القياس على الخبر بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، قال: (معناه - والله أعلم - اتبعوا في ذلك ما قال الله ورسوله) .
وأورد البيهقي هنا حديث ابن مسعود: (ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام) [25] .
ولكن قد يقول قائل: ما وجه الجمع بين قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [سورة الإسراء: 36] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (فيبقي ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) ، وبين ما فعله السلف من استنباط بعض الأحكام؟
قال ابن بطال رحمه الله: (التوفيق بين الآية والحديث في ذم العمل بالرأي وبين ما فعله السلف من استنباط الأحكام، أن نص الآية ذم القول بغير علم، فخص به من تكلم برأي مجرد عن استناد إلى أصل، ومعنى الحديث ذم من أفتى مع الجهل ولذلك وصفهم بالضلال والإضلال، وإلا فقد مدح من استنبط من الأصل لقوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فالرأي إذا كان مستندا إلى أصل من الكتاب والسنة أو الإجماع فهو المحمود، وإذا كان لا يستند إلى شيء منها فهو المذموم ... ) [26] .
والخلاصة:
أن المسلم إذا عرض له أمر فيجب عليه أن يبحث عن حكم هذا الأمر في الكتاب والسنة، فإذا لم يرد في هذه المسألة نص من الكتاب أو السنة أو إجماع العلماء، يجتهد رأيه بشرط أن يكون من أهل العلم الذي يعرفون وجوه القياس والاستنباط، بحيث يستند هذا الاستنباط إلى أصل من الكتاب والسنة.
[23] تفسير ابن كثير ج4/ 205.
[24] فتح الباري ج13/ 296.
[25] فتح الباري ج13/ 296.
[26] انظر فتح الباري، ج13/ 301.