تعريف التقليد:
التقليد مأخوذ من قلَّدَ أي جمع، أو هو مأخوذ من القِلادة وهي ما يُجعَل في العنق ويكون للإنسان والفرس والكلب والبدنة التي تهدى ونحوها.
ويقال قلد الماء في الحوض واللبن في السقاء؛ جمعه فيه، والقلْد جمع الماء في الشيء، والمِقلد عصى في رأسها اعوجاج يقلد بها الكلأ وهو المنجل الذي يقطع به.
ومنه التقليد في الدين وتقليد الولاة الأعمال، وتقليد البدن أي يجعل في عنقها شعار يعلم به أنها هدي، وقلده الأمر؛ ألزمه إياه، وتقلد الأمر أي احتمله، وكذلك تقلد السيف [27] .
قال القرطبي رحمه الله: (وهو في اللغة مأخوذ من قلادة البعير، فإن العرب تقول قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يُقاد به، فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء) [28] .
والتقليد في اصطلاح الشرع: هو قبول قول من ليس قوله حجة بلا حجة.
وقد قال ابن حزم رحمه الله في تعريف التقليد: (ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده، لأن بعض من دون النبي صلى الله عليه وسلم قاله) [29] .
وقال ابن عبد البر رحمه الله: (التقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه، والتقليد؛ أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولا معناه) [30] .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله: (التقليد هو قبول القول من غير دليل) [31] .
قال القرطبي رحمه الله: (التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وقيل هو اعتقاد صحة فتيا من لا يُعلم صحة قوله) [32] .
وقال الشوكاني رحمه الله: (التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة، فيخرج العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمل بالإجماع ورجوع العامي إلى المفتي، ورجوع القاضي إلى شهادة العدول، فإنه قد قامت الحجة في ذلك ... ) ، إلى أن قال رحمه الله: (وقال القفال: هو قبول قول القائل، وأنت لا تعلم من أين قاله، وقال الشيخ أبو حامد والأستاذ أبو منصور: هو قبول القول من غير حجة تظهر على قوله، والأولى أن يقال:(هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة) [33] .
يتبين مما سبق أن التقليد هو قبول قول من ليس قوله حجة بلا حجة، ويتبين أيضا أن التقليد ليس طريقا إلى العلم الصحيح بحال، وأن الأصل في التقليد أنه لا يجوز وأنه ممنوع منه من حيث الأصل.
ويخرج من التقليد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أن قوله صلى الله عليه وسلم هو الحجة، فالعامل بسنته صلى الله عليه وسلم عامل على بصيرة وليس بمقلد، فإن كل الحجج إنما ترجع بعد القرآن إلى قوله أو فعله أو تقريره صلى الله عليه وسلم.
ومما يلحق بالاتباع أيضا العمل بسنة الخلفاء الراشدين المهديين وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) [34] .
حكم التقليد:
الأصل في حكم التقليد أنه حرام، إذ أنه سبب غالب ما وقع من الكفر في الأمم السابقة، وقد أمر الله تعالى باتباع ما أنزل إلينا من الوحي فقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [سورةالأعراف: 3] .
وقد نهى الله تعالى عن التقليد في غير موضع وبين أنه سبب في كفر كثير من الأمم السابقة، فقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدي بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سورة سبأ: 31 - 33] .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات: {يقول الذين استضعفوا} ، وهم الأتباع {للذين استكبروا} منهم، وهم قادتهم وسادتهم؛ {لولا أنتم لكنا مؤمنين} ، أي لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءوا به، فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا؛ {أنحن صددناكم عن الهدي بعد إذ جاءكم} ، أي أنحن فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك؟ ولهذا قالوا؛ {بل كنتم مجرمين} ، {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} ، بل مكركم بالليل والنهار {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} ، أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شُبَهًا وأشياء من المحال تضلونا بها، {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي الجميع من السادة والأتباع، كل ندم على ما سلف منه، {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} ، وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} أي إنما نجازيكم بأعمالكم، كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، والأتباع بحسبهم) [35] .
وقد قال ابن عبد البر رحمه الله: (قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [سورة التوبة: 31] .
وروى عن حذيفة وغيره، قالوا؛"لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم، فاتبعوهم".
وقال عدي بن حاتم رضي الله عنه؛ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب فقال لي: (يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك"، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، قال عدي: قلت يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا؟! قال صلى الله عليه وسلم: (بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟"، فقلت: بلى، فقال صلى الله عليه وسلم:(تلك عبادتهم") [36] ."
وساق ابن عبد البر بسنده عن أبي البختري في قوله عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، قال:"أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية".
وعن أبي البختري قال: (قيل لحذيفة في قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، أكانوا يعبدونهم؟ فقال:(لا، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه"."
وقال جل وعز: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [سورة الزخرف: 23 - 24] ، فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا؛ {إنا بما أرسلتم به كافرون} .
وفي هؤلاء ومثلهم قال الله جل وعز: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [سورة الأنفال: 22] ، وقال عز وجل: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [سورة البقرة: 166 - 167] ، وقال جل وعز عائبا لأهل الكفر وذاما لهم: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [سورة الأنبياء: 52 - 53] ، وقال: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [سورة الأحزاب: 67] ، ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء.
وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة، لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه.
وقال الله جل وعز: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [سورة التوبة: 115] ، وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا.
فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهى الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك) [37] .
وقال ابن حزم رحمه الله:(فالتقليد كله حرام في جميع الشرائع أولها عن آخرها، من التوحيد والنبوة والقدر والإيمان والوعيد والإمامة والمفاضلة وجميع العبادات والأحكام.
فإن قال قائل: فما وجه قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة الأنبياء: 7] ؟
قيل له - وبالله التوفيق -؛ إنه تعالى أمرنا أن نسأل أهل العلم عما حكم به الله تعالى في هذه المسألة، وما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ولم يأمرنا أن نسألهم عن شريعة جديدة يحدثونها لنا من آرائهم، وقد بين ذلك عليه السلام بقوله؛"فليبلغ الشاهد الغائب") [38] .
قال ابن تيمية أيضا: (وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم.
فقال أبو حنيفة؛"هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه"، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس؟ فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك، فقال:(رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجع إلى قولك كما رجعتُ"."
ومالك كان يقول؛"إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة"، أو كلاما هذا معناه.
والشافعي كان يقول؛"إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي"، وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال؛"مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء".
والإمام أحمد كان يقول؛"لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا"، وكان يقول؛"من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال"، وقال؛"لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا".
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال؛"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" [39] ، ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرا، فيكون التفقه في الدين فرضا.
والتفقه في الدين؛ هو معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين) [40] .
قلت: فهذا قول الأئمة الأعلام رضوان الله تعالى عليهم لمن أراد معرفة رأيهم في التقليد، فقد نهوا رحمهم الله عنه وأمروا بالأخذ من حيث أخذوا، أي من القرآن والسنة.
وقد يسر الله تعالى القرآن والذكر للناس حتى يستطيعوا الانتفاع بما جاءهم من ربهم سبحانه، وحتى تقوم حجة الله تعالى على الناس، وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يرسل الرسل بلغة أقوامهم حتى يفهموا عنهم، ويتدبروا ما أنزل إليهم وما سنوه لهم، فقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [سورة إبراهيم: 4] ، وقال تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي} [سورة فصلت: 44] ، وهذا يبين أنه لا يحسن أن يُرسل العربي إلى الأعجمي ولا الأعجمي إلى العربي، وذلك حتى يتيسر فهم الخطاب الشرعي للمكلفين ويسهل القيام به بعد فهمه.
وبعد ذكر هذه النصائح والمقدمات نشرع في الرد على البيان بإذن الله تعالى.
هذا؛ وقد أثبتُّ نص بيان الإخوان قبل الشروع في الرد عليه تفصيليا، حتى يتسنى للقارئ إدراك ما يحمله من مخالفات سيأتي الرد عليها تفصيليا إن شاء الله تعالى ...
[27] لسان العرب ج3/ 365 - 367.
[28] تفسير القرطبي ج 2/ 217.
[29] الإحكام ج6/ 60.
[30] جامع بيان العلم ج 2/ 37.
[31] الفقيه والمتفقه ج2/ 66
[32] تفسير القرطبي ج 2/ 217.
[33] إرشاد الفحول في تحقيق الحق إلى علم الأصول للشوكاني / 265 - 266
[34] رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن أبي عاصم من حديث العرباض بن ساريةرضي الله عنه.
[35] تفسير ابن كثير ج 3/ 539.
[36] أخرجه ابن ماجة والترمذي وحسنه.
[37] جامع بيان العلم ج2/ 109 ـ 112.
[38] الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج 6/ 150 - 151، والحديث رواه البخاري وأحمد والترمذي، ورواه ابن مندة بلفظ (فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد) ، ورواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي شريح رضي الله عنه ورواه الطبراني في الأوسط عن وابصة بن معبد رضي الله عنه، ورواه أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (ليبلغ شاهدكم غائبكم) .
[39] رواه البخاري، ك: العلم، ب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومسلم، ك: الزكاة، ب: النهي عن المسألة من حديث معاوية رضي الله عنه
[40] مجموع الفتاوى ج 20/ 211 ـ 212.