وجاء في حديث جابر المشهور في المناسك: «فأهل بالتوحيد» . هذا تصريحٌ بالمصدر في ما سبق وحد الله، يُوَحِّدوا الله، هذا اللفظ لو ثبت لوحده يكفي أن يطلق المصدر مرادًا به معنى: لا إله إلا الله، لماذا؟ لأنهم إذا اشتقوا الفعل المضارع والفعل الماضي إذا تلفظوا به حينئذٍ أرادوا به ما اشْتُقَّ منه ذلك اللفظ، هذه قاعدة العرب، فيستدل بالروايتين السابقتين: «من وحد الله» . على إطلاق لفظ التوحيد على معنى إفراد الله تعالى بالعبادة، وكذلك إلى أن يوحدوا الله بالفعل المضارع يستدل به على أن لفظ التوحيد الذي اشتق منه الواحد يصح إطلاقه على إفراد الله تعالى بالعبادة، جاء مصرحًا بذلك في قول جابر: «فأهل بالتوحيد» . والمراد به: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. هذا فيه توحيد وإثبات الربوبية للرب جل وعلا، وأخبرنا الرب سبحانه: أن جميع الرسل قد دعوا إلى لا إله إلا الله. هذا أمرٌ متفق عليه أن الرسل كلهم اتفقوا على الدعوة إلى لا إله إلا الله وفسرها في القرآن كذلك.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} ، {أَنَا} هذا مكان لفظ الجلالة الله {فَاعْبُدُونِ} أي: لا تعبدوا غيري، دل ذلك على أن معنى قوله: {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} أي: لا معبود إلا أنا {فَاعْبُدُونِ} أي: فاعبدوني ولا تشركوا بي غيري، ولا تعبدوا غيري، وجاءت مفسرةً كذلك في قوله جل وعلا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] هنا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ، وقال في الآية الأخرى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} أيضًا: بلا إله إلا الله، ولكن جاء هنا بالمعنى دون اللفظ {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ} هذا مقابل لقوله: إلا الله، {وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} هذا مقابل لقوله لا إله، فجاءت مفسرة في القرآن وهذا كله محل إجماع بين السلف الصالح ليس بينهم خلاف، وإنما تذكر المسألة من أجل الرد على المخالف.