لا وجود له عندهم البتة، ولذلك شنَّوا الحملة على من قَسَّمَ التوحيد إلى ثلاثة أقسام لأننا إذا أثبتنا الفرق بين توحيد الإلوهية والربوبية خصموا، ثم لا فرق بينهم وبين مشركي العرب الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك تجد الأشاعرة في هذا الزمن وفي غيره لا يُنكرون الشرك الأكبر: الذبح، والطواف للقبور، وعبادة الأوثان، والنداء والاستغاثة، ونحو ذلك، هذه لا تُنكر لأنها لا تناقض التوحيد. هذه تجتمع مع التوحيد وإن أخطأ المخطئ في العبارة إلا أنه لا يخطئه التوحيد، كما سيأتي في عبارة بعضهم، وهذه عقيدة من؟ عقيدة المشركين الذين إذا أرادوا الواسطة عند الله جل وعلا وأرادوا من يرفع حوائجهم ذبحوا لهذه المعبودات من أجل التوسط لهم عند الله تعالى فيقضي حوائجهم ويجيب دعاءهم، نقول: هذا هو الشرك الذي حَذَّرَ منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء بضده وهو التوحيد توحيد العبادة أن لا يُعْبَد إلا الله جل وعلا، إذًا: هذا التعريف اعتقاد الوحدانية في: الذات، والصفات، والأفعال. نقول: وهذا خالٍ عن توحيد العبادة كما هو واضحٌ والقول فيه كسابقه، فالتوحيد عند المتكلمين من الأشاعرة، والماتريدية، والصوفية لا يخرجون عنهم، وجماعة التبليغ على طريقتهم، التوحيد عندهم اعتقادٌ فقط، وليس له عمل، لأننا قررنا أن النوعين متقابلان قلنا: توحيدٌ: قولي وهو: معرفة وإثبات. وتوحيدٌ: عملي. وعَبَّر بذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، وابن القيم: بأن التوحيد قوليٌ، وهذا يندرج تحته نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. لأن مداره على الإثبات، إثبات ذات الرب جل وعلا أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فدل أن مدار [هذا النوعين] [1] هذين النوعين هو: إثباتٌ محض. وأما توحيد القصد والطلب فهذا متعلقه: القول، والعمل بالجوارح والأركان. فحينئذٍ: إذا حُصِرَ التوحيد في الاعتقاد فحسب، حينئذٍ كل ما فعله من الأعمال الظاهرة من ذبحٍ للقبور وطوافٍ بها، ونذرٍ وسؤالها باللسان نداء، إن فعل ذلك قالوا: يُسأل هل اعتقد فيها الخلق أم لا؟ إن اعتقد حينئذٍ صار مشركًا لجمعه بين الأمرين: الذبح لغير الله، والاعتقاد. وإلا بأن لم يعتقد فيها شيء فحينئذٍ صار عاصيًا فحسب وليس بمشركٍ شركًا أكبر، ولذلك لا يُنكر الشرك عند الأشاعرة، وتعجب أحيانًا عندما ترى القبور الآن في العالم تعجُّ بها غزاة وترى أربابها من أهل العلم المنتسبين للعلم يقرون هذه ... إن لم يكونوا مع العوام يطوفون بالقبور ويتوسلون يقرون الناس إذا سئلوا في هذه المسائل ويرون أن من كفرهم أو حكم بشركهم يعتبر من جماعة التكفير ونحو ذلك، أو وهابي، فحينئذٍ: إذا أقروا الناس العوام على هذا إقرارهم ليس منبعثًا عن أمرٍ هكذا بالهوى لا إنما هو لأصلٍ واعتقادٍ عندهم، وهو: أن التوحيد شيءٌ اعتقادي وما هو هذا التوحيد؟ واحدٌ في ذاته، وواحدٌ في صفاته، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له. إن انتقضت هذه الأمور الثلاثة حكمنا عليه بأنه كافرٌ خارجٌ من الملة وأنه مشركٌ شرك أكبر، وإن لم تنتقض هذه الأمور الثلاثة فافعل ما شئت من صرف العبادة لغير الله تعالى. وهذا عقيدة من؟ عقيدة المشركين.
(1) سبق.