البراءة أصلها البغض، أن يبغض بقلبه وبلسانه وبجوارحه هذه المعبودات، وأن يكفر بها، ويعتقد أنها آلهة باطلة لا تستحق شيئًا من العباد، ولذلك مضى حديث «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله» . والمراد هنا الكفر بالمعبودات والعبادة نفسها، وليس المراد الكفر بالعابدين يعني: البراءة من أهل الشرك هذا من لوازم لا إله إلا الله، وليس من معنى لا إله إلا الله، وأما البراءة من المعبودات أنفسها نفس الأصنام القبور البراءة منها والكفر بها هذا داخل في معنى لا إله إلا الله، ففرق بين النوعين، (والبراء منه) يعني: من تلك المعبودات. قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26، 27] . هذا شرح وإيضاح وتفسير بَيِّن يفهمه كل صاحب لسان وصاحب تجرد عن الباطل أن المراد بهذه الكلمة {إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} أنه هو معنى لا إله إلا الله، كل صاحب عقل سليم ومتجرد للحق يعلم أن المراد بهذه الآية تفسير وإيضاح وبيان معنى لا إله إلا الله {بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ} يعني: من المعبودات، {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} يعني: خلقني وهو الله جل وعلا. وقال سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} يعني: الأنبياء والمرسلين. {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ} كل رسول يخاطب قومهم {إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 3] ومضى معنا أن كل رسول يقول لقومه: لا إله إلا الله، {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} القرآن يفسر بعضه بعضًا، ولذلك تعجب أن يأتي عالم كبير من الأشاعرة ثم يضل في هذا المعنى، والسبب في هذا - ولا تعجب - أنهم انطلقوا من غير الكتاب والسنة، لو بدأوا بالنظر في الكتاب والسنة ما ضلوا، نعم لأن إيضاح وبيان معنى لا إله إلا الله وعقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات والقدر هذه كلها كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى ليست من المحكم فحسب، بل من أحكم المحكم، يعني: لا يلتبس على أحد قرأ القرآن أن معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، لا يلتبس هذا، من أظهر ما يكون كالشمس بل هي أظهر من الشمس في كبد السماء، لكنهم لما انطلقوا من علم الكلام وتتلمذوا على أصحاب الكلام ونظروا في كتب أهل البدع حينئذٍ ضلوا وأضلوا، وإلا المسألة واضحة بينة.