إذًا معنى لا إله إلا الله إفراد الله تعالى بالتعلق القلبي التعبد والكفر بما يعبد من دونه، وهذا مأخوذ من النفي لا إله، نكفر بكل معبودات الآلهة غير الله جل وعلا والبراءة منه يعني: من تلك المعبودات ومن الشرك نفسه، إذًا يكفر بماذا؟ يكفر بالشرك نفسه، وبالمعبود، وأما العابد فهذا من لوازم لا إله إلا الله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] والعروة الوثقى هي لا إله إلا الله.
إذًا آيتين أو ثلاث توضح لك معنى التوحيد، حينئذٍ لا يلتبس عليك هذا الفهم، (فإنه لما قال لهم) ما الدليل على أنهم فهموا معنى لا إله إلا الله لا بد من دليل لأنه الحال والشأن. (فإنه) أي: الحال والشأن. (لما قال لهم) النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «قولوا: لا إله إلا الله» .) لما قال له عمه: كلمة واحدة يقولنها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمة يعني لكلمة واحدة قال: نعم وعشرًا وأبيك وعشرة. إذا كانت الكلمة فقط من أجل قولها ما بكلمة واحدة نقول: عشرًا قال: ( «قولوا: لا إله إلا الله» .) فهموا المراد، فهموا لا خالق إلا الله؟! لا، فهموا لا معبود، يتبرءون من جميع المعبودات لا هبل ولا العزى ولا مناة ولا غيرها، ففزعوا فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أو يقول بعضهم: ( {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ) . يتعجبون كيف آلهة تصل إلى الأربعمائة والخمسمائة كلها معبودات من غير الله جل وعلا كيف تجعل إلهًا واحدًا؟! بهذه الكلمة الواحدة تبطل بها جميع هذه المعبودات، قالوا: لا. رفضوا جحدوا فأنكروا هذا التوحيد مع كونهم يعلمون أن الإله ليس المراد به الخالق الرازق المدبر، ويعلمون أن الإله المراد به من يتقرب إليه بسائر العبادات من الذبح والاستغاثة والطواف وغير ذلك، هذا يدل على أنهم أفقه من المتأخرين (فإنه لما قال لهم: «قولوا: لا إله إلا الله» . قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ) إذًا كل ما صُرِفَ لغير الله تعالى من العبادات واتخذ معبودًا سُمِّيَ إلهًا بهذا النص، وآية واحدة تكفي في إثبات الحكم الشرعي، سُمِّيَتْ آلهة هم سموها آلهة، هم اعترفوا أنها معبودات من دون الله جل وعلا، ومع ذلك أقرهم الله عظ وجل بل سماها في غير آية آلهة {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان: 3] ، {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} سماها آلهةً وهم اعترفوا أنها آلهة، وفهموا أن الآلهة المراد بها المعبودات، وأن المراد من التوحيد الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نفي لاستحقاق هذه المعبودات الألوهية وأن يفرد الله تعالى بالعبادة، وأن يكفروا بسائر هذه المعبودات، فتعجبوا منها ورفضوا وأبوا، إذًا علموا المعنى الصحيح لـ لا إله إلا الله ولكنهم لم يمتثلوا وخالفوا.