فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 446

فهم وعلم، إذًا أطلق القلب مرادًا به الفهم والعلم، وسمي القلب قلبًا لكثرة تقلبه، ونسب المعرفة هنا إلى القلب لأنها هي المعرفة النافعة، هي التي تؤثر، إذا وَقَرَ الشيء في القلب صار له أثر في الجوارح بخلاف ما إذا كانت المعلومة على اللسان يرددها بلسانه ولا يدري ما يقول، نقول: هذه لا تؤثر فيه لأنها هي المعرفة النافعة وهو أن يوفق الإنسان لمعرفة المعنى الصحيح ثم العمل والامتثال، ويشمل ذلك شروط لا إله إلا الله كلها السبعة أو الثمانية [العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك، والقبول المنافي للرد، والانقياد المنافي للترك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية لضدها، والكفر بما سوى الله تعالى] هذه كلها لا بد أن تكون مستيقنة في القلب، ولذلك نقول: العلم بمعنى المعرفة فلا فرق بينهما، حينئذ يكون ما يكون في القلب مُدْرَكًا إدراكًا جازمًا لا يحتمل النقيض، هذا تنبيه وإشارة من المصنف رحمه الله تعالى أن هذه المسائل لا ينبغي أن يُمِرَّهَا المسلم على لسانه فحسب، بل لا بد أن يقف معها ويتدبرها وأن يعيها وأن تكون عنده بمنزلة اليقين كالشيء المحسوس الذي لا يختلط عليه البتة، لأن كل شبهة مما سيأتي بيانه مما سيذكره المصنف أكثر من الجواب يكون من هذه المقدمة، فإذا كنت على يقين منها حينئذ لا تزلزلك الشبهات.

(وعرفت الشرك) ، إذًا هذه المعرفة الأولى، معرفة قلب لا باللسان، لأن ما عرف باللسان هذا ينسى ولا يستحضر، وكم من إنسان يؤصل مسألة ثم إذا جاءت النوازل فإذا به جوابه في وادٍ وما تعلمه في وادٍ آخر، وهذا محل إشكال، (وعرفت) هذه معرفة ثانية، (عرفت الشرك بالله الذي قال الله تعالى فيه {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الشرك نقيض التوحيد، وإذا عرفنا أن التوحيد يقينًا لا بد أن يكون مستيقنًا بالقلب هذا لا يمكن أن يتم إلا بمعرفة نقيضه وهو الشرك، لا يمكن أن يتم إذا ادَّعَى مُدَّعٍ أنه عرف التوحيد وأنه تعلم التوحيد وأتقن شروط لا إله إلا الله بالأدلة لكنه لم يعرف مفردات الشرك، حينئذ هل يسلم من الوقوع في الشرك لا يمكن، لا يمكن أن يسلم، لماذا؟

لأنه إما توحيد وإما شرك، قد يكون الشرك منازعًا ومفاصلًا للتوحيد من أصله، وقد يكون منازعًا ومفاصلًا للتوحيد في كماله الواجب، وقد يكون منازعًا ومفاصلًا له في كماله المستحب، لأن التوحيد له أصل، إذا لم يوجد في القلب لا يحكم على صاحبه بالإسلام وليس بموحد، وقد يكون التوحيد موجودًا وثَمَّ ما يفعله من بعض الشركيات كالشرك الأصغر نقول: هذا مناف لكمال التوحيد الواجب، وقد يفعل بعض الأمور كالمعاصي مثلًا ونحوها الكبائر ولو لم تكن من الشرك وإن عبر بعضهم أنها من جنس الشرك، لو فعل المعاصي حينئذ نقول: هذه تقدح في كمال التوحيد المستحب، لأنه كما سبق أن الأمر والنهي من حقوق التوحيد، من حقوق لا إله إلا الله، أليس كذلك؟ فكل أمر في القرآن أمر إيجاب أو سنة أمر إيجاب، وكل نهي نهي تحريم في الكتاب أو في السنة إذا لم يمتثل الواجب ولم يترك المحرم، حينئذ نقول: هل له تأثير في التوحيد أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت