إذًا يفسر اتخاذ النِّدّ لصرف نوع من أنواع العبادة لغير الله، ويفسر دعوة غيره معه بماذا؟ بصرف نوع من أنواع العبادة لغير الله، لكن هذا اللفظ لم يأت هكذا في الشرع، ولذلك الأولى أن يعبر بالأول ثم الثاني، والعبادة لا تصح إلا باجتناب الشرك قليله وكثيره فهو شرط لصحة العبادة، وهذا ما يعبر عنه بالإخلاص لله عز وجل، وأصرح آية في ذلك هي قوله تعالى ... {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] جعل النهي عن الشرك قليله وكثيره مقرونًا بالأمر بالعبادة {وَاعْبُدُواْ اللهَ} يعني تذللوا له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، مع ماذا {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} هذا نهي عن الشرك، و {تُشْرِكُواْ} هذا فعل مضارع منسبك من مصدر، يعني مشتق من مصدر وجاء في سياق النهي، نكرة في سياق النهي، فيعم أي شرك قليلًا كان أو كثيرًا، [ (ولا تشركوا مع الله أحدا) كذا الآية] [1] {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} شيئًا هذا نكرة في سياق النهي فيعم كل مُشْرَكٍ به يعني النِّدّ سواء كان مَلَكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا، سواء كان معبودًا علويًّا أو معبودًا سفليًّا، وسواء كان من الصالحين أو من الجمادات، فهو عام. إذًا لا تصح العبادة إلا باجتناب الشرك، ولذلك يتعين العلم بحقيقة الشرك وحكمه، هذا واجب، لماذا؟ لأنه لا يتم الحذر منه إلا بمعرفته، لو قيل لك: احذر كذا. تسأل ما هو ذا، عَيِّنْهُ لي، ما هو حقيقته أو ما هي حقيقته، وما هي أفراده وآحاده، وماذا يترتب عليه إن وُجِدَ، حينئذ لا بد أن تعرف الشرك، وتعرف حقيقة الشرك، ومفردات الشرك، وتعرف حكم الشرك، ما الذي يَنْبَنِي عليه إذا وُجِدَ، لا تصح العبادة إلا باجتناب الشرك للآية التي ذكرناها، والشرك قسمان: الشرك الأكبر وهو الذي عرفناه، وشرك أصغر وهو دونه لكنه لا يخرج من الملة، والأول من تلبس به فليس بمسلم، والشرك الأصغر كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، وجاءت تسميته شركًا يعني في النصوص كالحلف بغير الله ويسير الرياء وبعض الألفاظ «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» . فسئل عنه فقال: «الرياء» . إذًا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا؟ شركًا أصغر، والآية التي ذكرها المصنف هنا رحمه الله تعالى أراد أن يبين لك أن هذا الشرك الذي يجب أن تعرفه حكمه أنه لا يغفر لمن مات عليه، وهذا شيء عظيم يجعل المرء المسلم فضلًا عن غيره في حذر وحيطة من أن يزيغ قلبه فيقع في هذا الشرك الذي توعده الله عز وجل بأنه لا يغفره لمن مات عليه، وأما التائب فمن تاب تاب الله عليه {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} . إذًا الشرك حكمه عدم المغفرة، لا يغفر الله تعالى لصاحبه إن مات عليه، لأنه أظلم الظلم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] هذا دلّ على أنه أظلم الظلم وأجهل الجهل وهضم للربوبية وتنقص للإلوهية، وسوء ظن برب العالمين.
(1) سبق.