ألهمكَ أنتَ المخاطب، هذا أولى (خصوصًا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى) . (ألهمك) الإلهام إلقاء الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى، ولذلك كما قال سبحانه {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] . (إن ألهمك الله ما قص) ما قصه (عن قوم موسى) وهم بنو إسرائيل عليه السلام (مع صلاحهم وعلمهم) يعني هم آمنوا وخرجوا مع موسى فرارًا بدينهم من فرعون وملأه، إذًا عندهم إيمان وعندهم صلاح هجرتهم هذه صلاح وتكفي (مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ) . ... {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا} انظر الجهل بالشرك وحقيقة الشرك قد يوقع الإنسان في الشرك من حيث لا يشعر، هم فروا من دين فرعون ولم يكن في دين فرعون الأصنام وعبادة الأصنام، فلما رأوا هؤلاء يعكفون على أصنام لهم استحسنوا هذا الأمر، فلما لم يعرفوه سابقًا من دين فرعون حينئذ أرادوا أن يجعل موسى عليه السلام لهم مثل هذه الأصنام، وهذا كله من باب الاستحسان! قالوا: {يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ... [الأعراف: 138، 139] . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، فأتوا - أي فمروا - على قوم يعكفون على أصنام لهم قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين، وقيل كانوا من لخم. قال ابن جرير: وكانوا يعبدون أصنامًا على صور البقر. فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، لماذا اتخذوا العجل؟ لأنهم رأوه لما مروا مع موسى. فـ {قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن يُنَزَّهَ من الشريك والمثيل {إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} أي هالك وباطل ما كانوا يعملون، وكذلك ذكر حديث أبي واقد الليثي لما الصحابة مروا على سدرة ذات أنواط قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط قال: «الله أكبر إنها السُّنَن» .. الحديث. إذًا (مع صلاحهم وعلمهم) قد خفي عليهم بعض أفراد الشرك) وهم من أصحاب موسى وأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - بعضهم ليسوا في كلهم، قد خفي عليهم بعض أنواع الشرك، إذًا من بعدهم من باب أولى وأحرى (أنهم أتوه قائلين اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فحينئذ يعظم خوفك) حينئذ عرفت ما سبق من هذه القصة (يعظم خوفك) من الوقوع في الشرك، و (حرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله) يعني من الشرك الأكبر وأمثاله مما يكون طريقًا موصلًا إليه.