إذًا قوله: (بهذا التوحيد) . (بهذا) جار ومجرور متعلق بقوله: (يبعث) ، (لم يبعث) أن الله عز وجل نبيًّا كذلك ولا رسولًا (بهذا التوحيد) الذي هو: توحيد الألوهية. (إلا) إلا للإثبات هنا لِمَا بعدها، (إلا جعل له) ، (له) أي: لذلك النبي. (أعداء) (جعل له) الجعل هنا قدري كوني كما في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] . الجعل كالإرادة قد تكون كونية الإرادة وقد تكون شرعية، كذلك الجعل قد يكون قدريًّا كونيًّا وقد يكون شرعيًّا، وهذا الْجَعْلُ هنا المراد به الجعل القدري الكوني لأن الله تعالى لا يحبه ولا يرضاه أن يُعَادَى الرسل والأنبياء. إذًا (إلا جعل) نقول: المراد بالجعل هنا الجعل القدري الكوني كما في قوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} . قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} [الفرقان: 47] . هذا الجعل قدري كوني، حينئذٍ لا يلزم محبته له جل وعلا لكنه مرتبط بالمشيئة، وقد يكون الجعل شرعيًّا حينئذٍ تلزم محبته له جل وعلا، فمما يحبه الله جل وعلا كما قال سبحانه: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97] . نقول: الجعل هنا شرعي وهو محبوب ومَرْضِيٌّ له جل وعلا. {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} ... [الزخرف: 28] نقول: الجعل هنا جعل شرعي وهو محبوب ومرضي لله عز وجل. إذًا (إلا جعل) نقول: الجعل نوعان، والمراد بالجعل هنا الجعل الكوني القدري وهو مرادف للمشيئة، ولا يكون محبوبًا له جل وعلا يعني: لا يلزم محبته. قد يكون كوني محبوبًا وقد لا يكون، وأما الشرعي فلا يكون إلا محبوبًا، (إلا جعل) يعني: لذلك النبي. (أعداء) جمع عدو، [وهو ما يسره ما يسره لا يسوؤه#8.38] يعني: الذي يسره ما يسوئه. ويسوئه ما يسرك، إن سرَّك شيء أساءه، وإن أساء إليك شيء سرَّه، فهو على عكس مما تريده من نفسك {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بها} [آل عمران: 120] هذا شأن الأعداء. إذًا (أعداء) المراد به هنا جمع عدو وهو ما ذكرناه سابقًا (إلا جعل له أعداءً) في كل زمان ومكان (كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والجن} [الأنعام: 112] ) قبل الاستدلال والنظر في الآية نقول: هذا الحكم عام في كلِّ نبيّ ورسول لأنه قال: (لم يبعث نبيًا) . نبي هذا نكرة في سياق النفي حينئذٍ يعمّ، وكذلك من كان وارثًا للأنبياء حينئذٍ لا يسلمون من الأعداء وهذا كما ذكرنا عام في كل زمان ومكان. والحكمة في جعل الأعداء للرسل والأنبياء والعلماء ليحصل الابتلاء والتمحيص، وليظهر نوره وترسخ قدمه. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:"من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين".