فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 446

يعني: لا يتمكن الدين ويظهر نوره وترسخ قدمه إلا إذا وُجِدَ الأعداء ووجد المعارضون، من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين، وذلك أن الحق إذا جُحِدَ وعورض بشبهات أقام الله تعالى له ما يُحِقُّ به الحق ويُبْطِلُ به الباطل، لأن الباطل لا بد ممن يقيمه، لا بد ممن يدعو إليه، وكذلك الحق لا بد ممن يقيمه وممن يدعو إليه، فإذا وقع الباطل وحصل ووُجِدَ أدعياؤه وأولياؤه وكذلك الحق وُجِدَ وحصل ووجد أهله وأصحابه حينئذٍ لا بد من وقوع المعركة بين الحق والباطل، أقام الله تعالى له ما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات لما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة. إذًا الحكمة من وجود هؤلاء الأعداء - وهذا كما ذكرناه جَعْلٌ قدري يكون في كل زمان ومكان، الجملة التي نعبر بها هي: حصول الابتلاء والتمحيص. لأنه لا بد من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ولا بد من وجود حزبين حزب الله تعالى وحزب الشيطان، ولذلك ظهر أو ذكر ابن السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره في قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} [الأنبياء: 18] . قال رحمه الله:"يُخبر تعالى أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل". تكفل سبحانه وتعالى بإحقاق الحق وإبطال الباطل، هذه الجمل وهذه التعبيرات من أهل العلم والنصوص من الوحيين تجعل المؤمن في راحة واطمئنان ولا ينزعج إذا وجد صولة وجولة لأهل الباطل، وإنما النصر إنما يكون لأهل التوحيد وأهل الحق. يخبر تعالى أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإن كان باطل يعني: وُجِدَ باطل. وإن كان باطل قُبِلَ وجُودِلَ به فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان ما يدفعه فيضمحل، يذهب يزول، ويتبين لكل أحد بطلانه، هذه سنة إلهية الله، عز وجل تكفل بحفظ الدين، فما من باطل إلا ويجعل الله عز وجل من الحق وأهل الحق ما يدحض ذلك الباطل، {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} فإذا فجائية {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي: مضمحل. فإن هذا عام يعني: إحقاق الحق وزهوق الباطل عام في جميع المسائل الدينية، لا يورد مبطل شبهة عقلية ولا نقلية في إحقاق باطل أو رد حق إلا وفي أدلة الله من القواطع العقلية والنقلية ما يُذْهِبُ ذلك القول الباطل ويَقْمَعُ، فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد، وهذا يتبين باستقراء المسائل مسألة مَسألة، فإنك تجدها كذلك. إذًا الحكم عام سواء كان في البدع المتعلقة بالتوحيد أو بالبدع المتعلقة بالفروع فالله عز وجل ما من باطل يقيمه أصحابه إلا وجعل في الكتاب والسنة وأهل الحق المتمسكين بالكتاب والسنة من يقمع تلك البدعة في كل زمان ومكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت