وتفسيرٌ: لا يعلمه إلا الله.
ولذلك اختار ابن تيمية هذا ونسبه إلى جمهور السلف أنه الوقف يكون على لفظ الجلالة، واختار ابن جرير أيضًا هذا القول. ومنهم من يقف على قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} . يعني: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ} الله فاعل والواو حرف عطف {وَالرَّاسِخُونَ} معطوفٌ على لفظ الجلالة، والمعطوف على المرفوع مرفوع. إذًا: ليس من عطف جملة على جملة، وإنما هو من عطف المفرد على المفرد على هذا القول ... {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، وتبعهم كثيرٌ من المفسرين وأهل الأصول وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} وقف ثم ابتداء جملة جديدة. إذًا: من القرآن ما لا يعلمه إلا الله وقد خوطب البشر كلهم بالقرآن هل خوطبوا بما لا يفهموا؟ قالوا: لا. إذًا: لا يمكن. هكذا قالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد. وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وهذا يسانده، وهناك ابن عباس قوله التفسير على أربعة أنحاء يساند ما سبق. إذًا لكل حجته.
وعن مجاهد {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يعلمون تأوليه ويقولون: آمنا به. ثم رُدُّوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكم التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتفق لقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضًا فنفذت الحجة وظهر به العذر وانزاح به الباطل وَدَفَع أو دُفِعَ به الكفر، وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . هذا عام، تأويل يعني: تأويل القرآن كله. فهو قادر للتأويل، حينئذٍ يكون الوصل مقدم عندهم، أليس كذلك؟ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] .
وثَمَّ قول ثالث وهو قول معتبر من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان:
أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100] . ... {تَأْوِيلُ} يعني: حقيقة. {رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} إذا وقع الشيء قيل: هذا تأويل للرؤيا. حينئذٍ حقيقة الشيء وكنه الشيء يطلق عليه أنه تأويل، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] . أي: حقيقة ما أُخْبِرُوا به من أمر المعادِ حينئذٍ إن أريد به هذا المعنى صار الوقف على لفظ الجلالة {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} يعني: حقيقة الأمور لا يعلمها إلا الله عز وجل، وهذا حق فيكون الوقف على الجلالة، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها إلا الله، ويكون قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} . مبتدأ و {يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} خبر، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} الراسخون مبتدأ وجملة يقولون خبر، إذًا عطف جملة على جملة.