وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو: التفسير، والبيان، والتعبير عن الشيء كقوله: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] يعني: بتفسيره. فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يعني: العطف، قول الأصوليين وكثير من المفسرين، وهذا جيد لأنهم يعلمون ويفهمون ما خُوطِبُوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: {يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} . حال منه ... {وَالرَّاسِخُونَ} عطف على لفظ الجلالة عطف مفرد على مفرد ... {يَقُولُونَ} أي: حالة كونهم قائلين. يعتبر حال من المبتدأ على قول سيبويه، وأما على قول الجمهور فلا. وقوله إخبارًا عنهم أنهم {يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} أي المتشابه {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهم يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، ولهذا قال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} . أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولي العقول السليمة والفهوم المستقيمة.
إذًا بهذه الآية نَرُدُّ بها على كل مبتدع بدعته على جهة الإجمال لأن الله تعالى قسم الآيات إلى قسمين: محكم، ومتشابه. وبين أن طريقة الراسخين في العلم هي: رُدُّ المتشابه إلى المحكم، وطريقة أهل الفتنة هي رد المحكم إلى المتشابه، واضح هذا؟ هذا قاعدة عامة مطردة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"قسم الله سبحانه الأدلة السمعية إلى قسمين: محكم، ومتشابه. وجعل المحكم أصلًا للمتشابه". هو الذي قسَّم، وهو الذي أمر كيف نتعامل مع المتشابه فنرده إلى المحكم، حينئذٍ نقول: سمعنا وأطعنا."وجعل المحكم أصلًا للمتشابه وأمًا له يُرَدُّ إليه فما خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يُرَدُّ إلى المحكم، وقد اتفق المسلمون على هذا". المسلمون أهل السنة والجماعة المتبرئون من البدع، وأن المحكم هو الأصل والمتشابه مردود إليه. هذا ذكره في (( الصواعق ) )المجلد الثاني الصفحة اثنين وسبعين وسبعمائة.