إذًا يستدل بعض المشركين بهذه الآية على إثبات شركه، نقول: هذا باطل فيجب حينئذٍ رَدُّهُ إلى النصوص وإلى المحكمات.
ثم لا يُسَلَّمُ بأن مفهوم الآية هو ما فهمه ذلك المشرك، وإنما نَتَنَزَّل معه في مقام الجدال وإثبات الحق بأنها من المتشابهات، وإلا لا يدل على ما ذهب إليه.
أما الرد المفصل فهذه ذكر تحتها عدة شبه رحمه الله تعالى، بدأ بالشبهة الأولى، والمراد بالرد المفصل أو الجواب المفصل أن تذكر كل شبهة بعينها، ثم يرد بجواب بعينه ينقض تلك الشبهة من أصلها، هذا يسمى ماذا؟ الجواب المفصل، تفصيل يعني: يفصل لكل شبهة جوابًا يدحضها من أصلها.
الشبهة الأولى: وقلنا هذه موضوعها أن الطلب من الأموات الصالحين على أنهم شفعاء ووسطاء ليس شركًا إذا كان لا يُعْتَقَدُ فيهم الربوبية، لأن الشرك هو اتخاذ الواسطة بينهم وبين الله تعالى. هم يقولون: هذا ليس بشرك. لماذا؟ لأنهم لم يعتقدوا فيها الربوبية، ولذلك يقول هذا الْمُشَبِّه: (نحن لا نشرك بالله شيئًا) . هذه مقدمة (نحن) يعني: أهل الشرك. (لا نشرك بالله شيئًا) نفى الشرك عن نفسه وعن غيره، (بل نشهد أنه لا يخلق) ... إلى آخر كلامه، هذا النفي أو الإثبات للشهادة والإقرار، يدل على أن نفي الشرك في المقدمة الأولى إنما هو الشرك في الربوبية (نحن لا نشرك بالله شيئًا) يعني: في ربوبيته، لا نَدَّعِي أن ثَمَّ خالقًا مع الله جل وعلا، وأن ثَمَّ رازقًا مع الله تعالى، أو نافعًا أو مضرًّا .. إلى آخر مفردات وآحاد توحيد الربوبية، فلا يُثْبَت مع الله تعالى شيء من ذلك، إذًا نفي الشرك هنا المراد به نفي الشرك في الربوبية، حينئذٍ رد هذه المقدمة - لا بد من ردها - لأن مفهوم الشرك عنده غير واضح، لأن الشرك له معنى لغوي، وله معنى شرعي - وليس اصطلاحي -، له معنى لغوي وله معنى شرعي، له حقيقة شرعية، من أين نأخذ هذه الحقيقة الشرعية؟
من الكتاب والسنة. إذ الحقائق الشرعية كتفسير معنى الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، كذلك لفظ الإيمان، لفظ التوحيد، لفظ الشرك، مدلول لا إله إلا الله، كل هذه لها حقائق شرعية، يعني: لا يُنْظَرُ إلى مجرد ألفاظها اللغوية فحسب، وإنما نجعل المعنى اللغوي أصلًا في فهم اللفظ أو الجملة أو التركيب، ثم ننظر في الشرع هل استعمل هذا التركيب أو هذا اللفظ في معنى ليس هو أصله في المعنى اللغوي أو لا؟
إن ثبت، حينئذٍ نُثبت لهذا اللفظ الحقيقة الشرعية، فإن لم يَثْبُتْ باستقراء نصوص الوحيين شيء من ذلك حينئذٍ نحمل اللفظ على معناه اللغوي، ولذلك إذا تردد الأمر [ولم تكن للحقيقة] [1] ولم يكن للفظ حقيقة شرعية رجعنا إلى الأصل وهو المعنى اللغوي. هذه قاعدة أصولية ينبغي التنبه لها.
إذًا الشرك له حقيقة شرعية كما أن التوحيد له حقيقة شرعية، مفهوم لا إله إلا الله فسرها الرب جل وعلا، لم يقل لا إله إلا الله ثم بعد ذلك ترك للخلق أن يفسروا ما شاءوا، بل فسرها من أول القرآن إلى آخره، وكذلك فهم الصحابة لها بتفسير نقول: هو حقيقته الشرعية. الشرك نقيض التوحيد هل له معنى شرعي؟ نقول: نعم، لا بد من معرفته. من أين يُعرف؟ من أين يُؤخذ؟
(1) سبق.