فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 446

نقول: مبدأها لأنه هو الذي يأذن، فإذا لم يأذن لن تقع أبدًا، محال أن تقع، وإذا وقعت يقبل أو لا يقبل تمامها؟ ومردها إلى الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة وقد سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ من أسعد أفعل تفضيل ليست على بابها، يعني: سعيد الناس سعيد، لماذا نقول ليست على بابها؟ هو مجاز انتبهوا، لماذا نقول: أسعد الناس بشفاعتي. «من قال: لا إله إلا الله» . يعني: الموحد من أتى بالتوحيد، من لم يأت بالتوحيد هل له شيء من السعادة؟ لا. إذا قلت: على بابها نعم، لأن أفعل التفضيل تدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف، نقول: زيد أعلم من عمرو، زيد وعمرو منهما عنده علم، لكن زيد أكثر علمًا، لذلك قال: زيد أعلم أكرم أجود من عمرو من الثاني، فالأول أكثر والثاني له حظ ونصيب من الجود والكرم والعلم، هنا لا، هنا لا يمكن أن يكون لمن أتى بالشرك ولم يأت بالتوحيد أن يكون له نصيب من السعادة البتة، ولا حظ له في الشفاعة. إذًا: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» . قالها خالصًا من قلبه، هذا تأكيد لأن الإخلاص مفهوم من لا إله إلا الله، لو قالها لفظًا ومعنًى حينئذٍ لا بد أن يكون آتيًا بالإخلاص، فإذ انتفى عنده الإخلاص انتقضت لا إله إلا الله، إذا لم يأت بالإخلاص حينئذ لا تنفعه لا إله إلا الله، لماذا؟ لكونه قد قالها لفظًا ولم يعتقد معناها، إن لو أعتقد معناها حينئذ لزم منه أن يأتي بالإخلاص، هذا كالطهارة بالنسبة للصلاة.

يقول ابن القيم: عن ذكر الحديث: كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد؟ لأنه قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه. هذا توكيد يعني: أتى بالتوحيد بل وجرده عن كل شائبة، والشائبة هنا ليس المراد بها الشرك الأكبر إنما المراد بها ما لا يخدش أصل التوحيد وهو الشرك الأصغر والبدع والمعاصي إذا مات عليها دون توبة. كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد؟ عكس ما عند المشركين لأن المشركين إنما أتوا بالشفاعة المنفية التي جاء نفيها في بعض الآيات، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله تعالى. هذا شفاعة من؟ المشركين الشفاعة والتوسل والتبرك بالمعبودات معنى واحد، لأن الشفاعة سؤال دعاء، وكذلك اللجأ الالتجاء للصالحين الأموات والاستغاثة والاستعانة والاستجارة، كلها معاني متقاربة، كلها سؤال للميت، وسؤال الميت سؤال نوع دعاء، إذًا صرف العبادة لغير الله تعالى، وهذه الشفاعة المنفية، ولذلك هناك عبَّر بماذا ... {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] . إذًا هذه شفاعة منفية أو مثبتة؟

نقول: هذه شفاعة منفية.

فقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في زعمهم الكاذب، قلبه، وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد حينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع. إذًا التوحيد شرط في استحقاق شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة، فمن لم يأت بهذا الشرط كما فعل هذا المشرك حينئذٍ ليس له نصيب من الشفاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت