إذًا لا فرق بين أن يُدْعَى الله عز وجل وحده في كونه عبادة، وبين أن يتوجه بتلك العبادة لغير الله جل وعلا من الأضرحة والأموات. (فإذا قال: نعم) ولا بد وأن يقول: نعم. بأن الله تعالى فرض عليك إخلاص العبادة (فقل له: بيِّن له هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك) يعني: تطلب منه أن يفسر لنا العبادة، لأن الشبهة قائمة على خلل في مفهوم العبادة، فسِّر لنا هذه العبادة، ستقول بأن الله تعالى أوجب عليك إخلاص العبادة، ما هي هذه العبادة؟ كما يقال بأن الله تعالى أوجب عليك الصلاة، ما هي هذه الصلاة؟
أوجب عليك الصيام ما هو هذا الصوم؟ الحج؟ الزكاة؟ .. إلى آخر تلك العبادات، لا بد من حقائق شرعية، لا بد أن يفسرها لأن من شرط التكليف في المكلَّف به أن يكون معلومًا، لا بد أن يكون معلومًا شرط، فإن لم يكن معلومًا انتفى التكليف، لأنه من تكليف ما لا يطاق، وهو محال، كيف يأمر الله عز وجل بصلاة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ثم لا يبينها هذا محال أن يقع، لماذا؟ لكون الصلاة مأمورًا بها لا بد من إحداث، لا بد من فعل، لا بد من أقوال، ما هي هذه الأقوال؟ ماذا يصنع؟ ماذا يفعل؟ لا شيء، حينئذٍ نقول: الأمر وجوده وعدمه سواء ولا تكليف بمحال، فإذا أمر بالعبادة قال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} [البينة: 5] . إذًا مأمورون بالعبادة، وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] إذًا الحكمة من الخلق الإنس والجن هي تحقيق العبادة في آيات كثيرة، حينئذٍ نقول: ما هي هذه العبادة؟ فسّرها فلا يخلو حاله من أحد أو من واحد من ثلاثة أحوال:
إما أن يقول: لا أدري.
وإما أن يقول: أدري، أعلم. حينئذٍ هذا صنفان الثاني، إما أن يفسرها تفسر صحيح وهذا بعيد ليس معنا هنا، لأنه لو فسرها تفسير صحيحًا وافق الشرع ولا ما جعل الدعاء دعاء الأموات ليس بعبادة، وإما أن يفسرها تفسيرًا خاطئًا فيقع عنده خلل في مفهوم العبادة. وهذا الذي هو يكون معنا هنا.
إذًا لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يفسر العبادة بمعناها الصحيح وهذا بعيد لأنه قد جعل الالتجاء إلى الأموات ودعاءهم ليس بعبادة.
وإما أن يقول: لا أدري. ويُنْكَرُ عليه كيف تنكر شيئًا لا تدري، لأنه يُنْكِر هو ما أورد الشبهة إلا من أجل الإنكار على من دعاه إلى التوحيد، بل ويدَّعِي (أنا لا أعبد إلا الله) كيف تقول: (لا أعبد إلا الله) . وأنت ما تعرف العبادة؟ نقول: هذا فيه بُعْد، دعوى شيء ليس لها وجه.
الثالث أن يخطئ في تفسيرها وهذا هو الذي أقام عليه صاحب هذه الشبهة.
بيَّن له المصنف العبادة بمثالين، قلنا: ترك التعريف لأنه لا يَحْسُن في هذا المقام، لأن غالب هؤلاء جهال لا يعرفون معنى العبادة، ولا يعرفون معنى لا إله إلا الله التوحيد، ولا يفرقون بين الإله والرب، ولا يعرفون حال العرب الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يعرفون شيء من هذه الأمور، وإنما لجأوا إلى أقوال من سبقهم ومن أصَّلَ لهم هذه المسائل، وصاروا كالببغاوات يرددون ما أُورِدَ في الكتب تلك.