قال: (فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها) . يعني: فإذا كان لا يعرف - وهذا أولى - العبادة ولا أنواعها لأن العبادة لها أنواع، العبادة قد تكون بالقلب، وقد تكون باللسان، وقد تكون بالأعمال الجوارح. ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عرفها من حيث المعنى الاسمي بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله، لكل ما، هذا يعمّ عمل القلب كـ: الخشوع، والخوف، والرجاء .. ونحو ذلك، ويعمّ قول اللسان فعل اللسان ويسمى فعلًا كـ: الذكر .. ونحو ذلك وقول لا إله إلا الله، ويعمّ كذلك فعل الجوارح كـ: الركوع، والسجود، والطواف .. ونحو ذلك، حينئذٍ اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، الباطنة التي محلها القلب والظاهرة التي محلها الجوارح، وثَمَّ تلازم بين العبادتين الظاهرة والباطنة، إذ لا يصح أن يقال بأن الباطنة قد أقامت وحلت بالقلب دون وجود ثمرتها على الظاهر، هذا محال - كما سيأتي في كلامه في آخر الكتاب على مسألة الإيمان - ... (فبينها له بقولك: قال الله تعالى) بالمثال ( {ادْعُواْ رَبَّكُمْ} ) اختار المصنف ( {ادْعُواْ رَبَّكُمْ} ) يعني: خالقكم ورازقكم ومدبر أموركم ومصرف شؤونكم، ( {ادْعُواْ رَبَّكُمْ} ) ( {رَبَّكُمْ} ) هذا مفعول به هنا، حينئذٍ الدعاء محله أن يصرف للرب ( {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} ) وقلنا: اختار المصنف هذه الآية دون غيرها لأنها تخص عبادة الدعاء، إذ ينكر هذا المشرك أن يكون دعاء الصالحين من العبادة، وهذا لو قرأ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «الدعاء هو العبادة» . لكفاه «الدعاء هو العبادة» هذا الحديث خرجه أحمد وأبو داود والترمذي قال الحافظ: سنده جيد من حديث النعمان بن بشير. ( {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} ) هذه في الأمر بالدعاء فدل على أن الدعاء عبادة، وهذا يكيفه إذ العبادة من ضوابطها المتفق عليها بين أهل العلم السنة والجماعة أن ما أمر الله تعالى به فهو عبادة، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب، كل أَمْرٍِ أَمَر الله تعالى به عباده بأنه مما يحبه ويرضاه، أليس كذلك؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله، وهل يأمر الله تعالى بما يبغضه؟ الجواب: لا، وإنما يأمر بما يحبه. إذًا ثبتت المحبة بكونه قد أمر به، أليس كذلك؟ كذلك إذا أثنى على الفعل نفسه.