ثالثًا: إذا أثنى على الفاعلين {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] ... {الصَّابِرِينَ} ذوات، تبشر الصبر أو الصابرين البشارة لمن؟ للصابرين ذوات إذًا أثنى، هذا الكلام متعلق بالذوات، لم أثنى عليهم {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ، {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ} [التوبة: 112] .. إلى آخره نقول: هنا الثناء إنما وُجِّهَ للذوات هذا الأصل فيه، {التَّائِبُونَ} نقول: هنا وجه للذوات، الثناء محله الذوات لم؟ لذاتهم لأنفسهم دون وصف قائم بهم؟ الجواب: لا، وإنما لكونهم اتصفوا بصفة التوبة، بصفة الصبر، بصفة الورع، الخشوع .. إلى آخره. إذًا ثناء على فاعليه لِمَا قام بهم من الوصف الذي اشْتُق منه اسم الفاعل، صَابِر اسم فاعل من الصبَّر، إذًا أُثْنِيَ عليهم لكونهم قد صبروا، فنقول: هذا دليل على أن الصبر عبادة، كذلك لو رُتِّبَ الثواب في الدنيا أو في الآخرة، هنا قال: ( {ادْعُواْ رَبَّكُمْ} ) . أمر به فيقتضي حينئذٍ أن يكون الدعاء عبادة، ويؤيده الحديث السابق حديث نعمان بن بشير «الدعاء هو العبادة» . وهو حديث صحيح، حينئذٍ إذا تقرر أن الدعاء عبادة أو بهذه الآية، فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل هو عبادة لله تعالى أو لا؟
إن قال: لا. كابر فانقطعت المناظرة والمجادلة.
إن قال: نعم. ولا بد أن يسلم لأنه يقال: لا فرق بين قوله تعالى: ... ( {ادْعُواْ رَبَّكُمْ} ) . وبين قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} . لماذا قلت: الصلاة فرض واجبة؟ لكون الرب أمر بها، وقد أمر كذلك بالدعاء، لماذا تفرق بين متماثلين؟
حينئذٍ يُلْزَمُ الخصم فيقول: نعم. ولذلك قال: (فلا بد أن يقول: نعم) لا بد لا فرار ولا محيص أن يقول: نعم. لأنه لو قال: لا. علمنا أنه صاحب هوى وأنه ما أراد إلا الشرك بعينه وما أراد الحق، فالمناظرة حينئذٍ تنقطع معه، فلا بد أن يقول نعم (والدعاء من العبادة) . (والدعاء مخ العبادة) ، (والدعاء هو العبادة) وهذه جملة استطرادية تؤكد ما سبق.
(فقل له: إذا أقررت أنه عبادة) لأنه ولا بد أن يقر بأنه إذا دعا ربه أنه قد عبده، هو الآن النزاع معه ليس في كونه يرفع يديه يقول: اللهم أدخلني الجنة. هذا يقر بأنه عبادة، وإنما الذي يفعله مع القبور والأضرحة هو الذي أخرجهم، هو لا ينكر بأن الدعاء عبادة إذا دعا ربه وحده، هذا محل وفاق، إذا سجد قال: ربي اغفر لي وارحمني وعافني. هذا يقرّ بأنه عبادة ولا نزاع معه في هذا النوع، وإنما النزاع معه في كونه يقف أمام الضريح والقبر فحينئذٍ يلتجأ إليه ويدعوه ويقول: هذا ليس مثل ذاك، فيفرق بين متماثلين، ولذلك ألزمه هنا الشيخ بأمر إذا أقررت أنه عبادة الدعاء من حيث هو عبادة لله عز وجل (ودعوت الله ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا) يعني: تحقق فيه أدب الدعاء (ثم دعوتَ في تلك الحاجة نبيًّا أو غيره) غير النبي من مَلَكٍ وغيره، الحاجة واحدة والْمَدْعُوْ مختلف، دعا الله تعالى ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا أقر المشرك بأنه عبادة، دعا تلك الحاجة نفسها نبيًّا أو غيره، حينئذٍ يقال له (هل أشركت في عبادة الله غيره) أم لا؟