إن قلتَ الأول فالقرآن يكذبك كما سبق معنا، فيتعين أن يكون الثاني وهو: أن عبادة الأصنام. المراد بها الذبح عندها لتكون واسطة وشفيعًا بينه وبين الله عز وجل، هذا معنى من المعاني رُتب عليه الحكم وهو أنه شرك، هذا المعنى موجود في فعلك أنتَ وهو أنك جئت عند القبر وذبحت له واستغثت به من أجل أن يتوسط بينك وبين الله عز وجل، نفس المعنى الذي حصل عند الصنم، حينئذٍ الشريعة لا تفرق بين متماثلات، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والشرك معنًى فإذا وجد عند الأصنام ووجد عند غير الأصنام فالحكم واحد، لا فرق بين هذا وذاك، ولذلك جاء {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] نكرة {أَحَدًا} سواء كان حجر صنمًا أو كان بشرًا، سواء كان عاقل أو لا، فاللفظ يعمّهم، ولذلك قال له المصنف هنا فقل له: (ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم) يعني: المشركين الأولين (يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ] } [يونس: 31] الآية) إذًا أقر بأنها لا تخلق ولا ترزق وليس لها من الأمر شيء، ماذا بقي؟ بقي الثاني فإن قال: إنهم يقصدون (خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر) يعني: قبة. (أو غيره يَدْعُونَ ذلك) يعني: الخشبة أو الحجر. ... (ويذبحون له يقولون، إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع عنا الله ببركته ويعطينا ببركته) ، (فقل صدقت) يعني: إن فسر عبادة الأصنام بالثاني فقل له صدقت، هل نصدق المشرك؟
أي نعم، لأنه ليس بخبر، هو إقرار، هو لا يخبر عن الله عز وجل وإلا هو مشرك لا يُقبل خبره، وإنما هنا إقرار من أجله إلزامه فحسب، فقل له: صدقت. لأنه تفسير للشرك بمعنًى صحيح. وقوله: (يَدْعُونَ ذلك) . الآن نرجع معه لأنه قال ماذا؟ قال: (الشرك عبادة الأصنام) . وسبق قال: (ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) . ما هو هذا الالتجاء إلى الصالحين هو الذي فسره ضعه بين قوسين (يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا) ... إلى آخر الجملة، هذا هو تفسير معنى قوله: ... (ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) . حينئذٍ نقض قوله الأول لأن عبادة الأصنام ما هي؟ أن يُذبحَ لها من أجل الواسطة والزلفى والقربى، نقول: هذا هو الشرك ولو سميته بغير اسمه بأنه (الالتجاء إلى الصالحين) ؟ وتغيير وتبديل الأسماء لا يغير الحقائق، فالشرك شرك، والكفر كفر، وإن سماه بغير اسمه، وهنا فسر عبادة الأصنام بماذا؟ بما يفعل هو مع الصالحين ولا يسميه شركًا، وهذا تناقض، ولذلك قال هنا: (فقل صدقت) . (وهذا فعلكم عند الأحجار) هكذا يقول له المصنف (والبناء الذي على القبور وغيرها، فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام) هو لم يعبد صنمًا بالمعنى الذي أراده من عرف الشرك، وإنما عبد صنمًا من جهة المعنى لأن الذي فُعِلَ عند الأصنام من الذبح ونحو ذلك من أجل القربى فُعِلَ عند الأضرحة، حينئذٍ وُجِدَتْ عبادة الأصنام، والحكم يدور مع علته وجود وعدمًا.