إذًا فَرَّقَ الرب جل وعلا بين الكفرين، حينئذٍ إذا وقعت الاستغاثة بغير الله تعالى والتوجه واللجأ إلى غير الله تعالى، لا نقول: هذا يستلزم أنهم قد اعتقدوا البنوة لأن هذا كفر وهو تكذيب لقوله: ( {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} ) ، واعتقاد البنوة كفر آخر وهو تكذيب لقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ، ولقوله: ( {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} ) . ففرَّق بين النوعين وجعل كلًا منهما كفرًا مستقلًا، فَرَّق بين النوعين بماذا؟ بالعطف بالواو، وجعل كلًا منهما كفرًا مستقلًا يعني: لو كَذَّبَ الأول وكذب الثاني. وتكذيب الأول يكون باعتقاد البنوة لله، وتكذيب الثاني يكون باتخاذ الإله مع الله تعالى.
الدليل الثالث الذي ذكره المصنف (وقال الله تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ] } [الأنعام: 100] ) . القول فيه كالقول فيما سبق ... (وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ}) مع خلقهم يعني: هم مخلقون لله تعالى. ( {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ) كذلك بالواو والعطف بالواو يقتضي المغايرة. إذًا هذا كفر وهذا كفر.
قوله تعالى: ( {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ} ) . يعني: الكافرين جعلوا الجن شركاء لله عز وجل، جعلوهم شركاء لله عز وجل، فصرفوا لهم نوعًا من أنواع العبادات ( {وَخَلَقَهُمْ} ) يعني: وهو خلق الجن مع كونهم مخلوقين كيف تجعلون الجن شركاء وهم مخلوقون، والإله لا يمكن أن يكون إلا خالقًا، والمخلوق يمتنع أن يكون إلهًا لأنه مفتقر إلى غيره، إذ كان عدمًا ثم وجد ( {وَخَرَقُواْ} ) قرأ أهل المدينة (وَخَرَّقُوا) بتشديد الراء على التكثير خرَّقوا، فيه نوع تكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: اختلقوا. ... ( {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ} ) اختلقوا افتروا ( {لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ) ، وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وقول كفار العرب الملائكة بنات الله. إذًا هذا كفر وذاك كفر قلنا نزه نفسه فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . أي مبدعهما لا على مثال سبق {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} استبعاد {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} يعني: زوج. {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} يعني: كيف يكون له ولد إنكار واستبعاد {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} زوجة، ... {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . إذًا عطف قوله: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} . وهذا كفر في حد ذاته كفر مستقل، عطفه على قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} . وهذا شرك وهو كفر مستقل عن الآخر.
إذًا بهذه الآيات الثلاث حصل التفريق بين النوعين، ولذلك قال هنا: ففرق بين الكفرين. الذي هو كفر بادعاء البنوة، وكفر بعبادة غير الله تعالى، واضح هذا؟