الدليل الثاني على هذا: أن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلًا صالحًا، اللات كان يَلُتُّ السويق للحجيج، لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك، فدل على أن الكفر لا يلزم فيه نسبة الولد إلى الله تعالى كـ: اللات، والجن. كما سبق أن اللات هذا اسم رجل صالح كان يَلُتُّ السويق فمات فعكفوا على قبره، طيب هل ادَّعوا البنوة لله عز وجل؟ من عبد اللات هل ادعوا البنوة لله عز وجل أن اللات ابن لله تعالى؟ ما ادَّعَوْا هذا، كفار أو لا؟
على زعمهم ليسوا بكفار، لأن الاستغاثة واللجأ والدعاء يستلزم ادعاء البنوة إذا حكمنا بكفرهم، وإلا إذا لم يدَّعُوا البنوة فليس ذلك بكفر، لم يجعلوه ابن الله والذين كذلك كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك.
ثالثًا وكذلك العلماء أيضًا وجميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد، وإن أشرك بالله فهو مرتد، إذًا فرقوا بين النوعين، وقلت لكم في البداية: إن هذه غفلة منهم، المشرك أنه سَوَّى بين الكفرين، وإن هذا محل إجماع بين أهل العلم، يذكرون في باب حكم المرتد في كل مذهب من المذاهب الأربعة يعددون ما يحصل به كفر للمسلم [متى يكون المرتد كافرًا] [1] متى يكون المسلم كافرًا؟ إذا ادَّعَى لله ولد هذا أولًا، ولو لم يشرك؟ نعم ولو لم يشرك، ويقولون: كذلك يكون المسلم كافرًا إذا أشرك بالله تعالى. إذًا جعلوهما منفصلين فكيف تسوي بينهما؟ هذا باطل.
إذًا أجمع العلماء في باب حكم المرتد على أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد وإن لم يستغث بغير الله تعالى، ولو كان من أعبد الناس، لو ادَّعَى البنوة لله عز وجل فهو كافر بإجماع المسلمين، وإن استغاث بغير الله تعالى وتوجه للمعبودات بنوع من أنواع العبادات كفر بإجماع المسلمين ولو لم يدَّعِ بنوة ما جعله معبودًا له، إذًا فرق بين النوعين. (أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد) وإن أشرك بالله فهو مرتد فيفرقون بين النوعين. يعني كفر من زعم لله ولدًا، وكفر من جعل لله شريكًا وكل واحد منهما كفر مستقل، وهذا في غاية الوضوح، هذا المذكور في غاية الوضوح، يعني: الجواب عن هذه الشبهة في غاية الوضوح، وخاصة في الإجماع المتأخر الدليل الثالث.
إذًا هذه الشبه وهي: أن أولئك الذين نزل فيهم القرآن وكفرهم الله عز وجل ونبيه عليه الصلاة والسلام وقاتلهم لم يكونوا مشركين بالتوجه للمعبودات بالدعاء والاستغاثة ونحو ذلك، إذًا لماذا أشركوا ولماذا كفروا؟
لأنهم ادَّعَوْا تلك المعبودات إما بنتًا لله أو ولدًا لله، وهذا باطل بالأدلة الثلاثة التي ذكرناها، أن الله تعالى فرق بينهما كما في آية ( {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] ) كذلك ما ورد من كونهم كفروا بدعاء اللات مع كونهم لم يدعوا أنه ابن لله تعالى، وكفرهم الله عز وجل، وكذلك الذين كفروا بعبادة الجن كما في الآية السابقة، وإجماع العلماء وهو كافٍ واضح بَيِّن.
(1) سبق.