فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 446

إذًا يمكن أن يقال: بأن التعامل مع الأولياء على ثلاثة طرق: إما غلو، وهذا أوصلهم إلى درجة الألوهية، عبدوهم مع الله تعالى، وإما جفاء بأن لا يؤمن بالكرامات كالجهمية والمعتزلة الذين أنكروا كرامات الأولياء، وأما وسط وهو الحق. ولذلك قال هنا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ودين الله وسط بين طرفين) غالٍ وجافٍ، فالأمة وسط بين أهل الملل، والوسط يأتي بمعنى التوسط بين الشيئين والمراد هنا العدل الخيار، فأهل السنة والجماعة وسط أي: عدل خيار معتدلين بين طرفين منحرفين في جميع أمورهم. ... {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] (بين طرفين، وهدى بين ضلالتين) يعني: ضلالة الغلو، وضلالة الجفاء. (وحق بين باطلين) باطل الغلو، وباطل الجفاء. إذًا الغلو باطل وضلال وطرف، وكذلك الجفاء طرف وضلال وباطل، والوسط هو الحق.

إذًا حاصل هذه الشبهة أن يرد ببيان ما يستحقه الأولياء من محبةٍ واعترافٍ بكراماتهم، ونقول الكرامات شيء وجعلهم آلهةً شيءٌ آخر، ولا غرو في ذلك، كما يثبت الشفاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونطلبها من الله تعالى، كذلك نثبت الولاية ولا نشرك بهم مع الله أحدًا البتة.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا"الاعتقاد"، هو الشرك الذي أُنزل الله في القرآن وقاتل رسول الله الناس عليه، فاعلم) . هذا استطراد من المصنف رحمه الله تعالى أراد أن يقدم لشبهة كبيرة وتنضم إلى الشبه الثلاث السابقة، فتجعل أربعة وهي الكبار التي يدندن حولها أهل الشرك، وهي من قال لا إله إلا الله لا يمكن تكفيره بحالٍ البتة، هذه شبهةٌ كبيرةٌ قديمةٌ جديدة، حينئذٍ أراد أن يمهد بهذا الاستطراد، فقال: (فإذا عرفت) علمت (أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا"الاعتقاد") يعني: الاعتقاد في الأولياء كما سبق في أول الكتاب أنهم يسمون الشرك بغير اسمه، يكون يعتقد بالسيد، يعتقد بعبد القادر يعتقد ماذا؟ يعتقد أنه ندٌّ لله تعالى، وأنه يتصرف في الكون أو يتصرف في الملكوت ونحو ذلك، (هذا هو الشرك الذي أُنزل الله في القرآن) وهو جعل هذه المعبودات أندادًا مع الله تعالى، وأن تصرف لها سائر أنواع العبادات من دون الله من ذبحٍ واستغاثةٍ واستعانةٍ ولجئٍ واستسقاء ونحو ذلك، وهذه كلها تسمى ماذا في الشرع؟ تمسى الشرك، ولذلك لا يجوز العدول عن هذا اللفظ دون غيره البتة، لأن فيه لبسًا وتلبيسًا (في زماننا"الاعتقاد"، هو الشرك الذي أُنزل الله في القرآن، وقاتل رسول الله الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل وقتنا بأمرين:) وهذه هي القاعدة الرابعة التي مرت معنا في (( القواعد الأربع ) )وهي المفاضلة بين المتقدمين والمتأخرين أيهما أعظم شركًا؟ وذكرنا أن المسألة مسألة اجتهادية، والمصنف رحمه الله تعالى دائمًا يرى أن المتقدمين أخف شركًا من المتأخرين، (فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل وقتنا بأمرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت