يشمل المنافقين، إذًا الآية محتملة بخلاف الآيات ( {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ) هذه نزلت في المنافقين، وقوله: ( {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} ) . حيث جعل الكفر بعد الإسلام والإسلام هو الظاهر هنا، دل على أن الكفر حصل منهم بمافات ما قالوا للإسلام الظاهر، إذًا هذه الكلمة نفت عنهم الإسلام الظاهر، والإسلام الظاهر معلومٌ عند أئمة الفقه أنه يثبت بقول: لا إله إلا الله، فنفى من قال لا إله إلا الله حينئذٍ يُمْسَكُ عنه حتى ينظر في بقية الأحكام الشرعية ويثبت له الإسلام الظاهر، ما الذي ينقض الإسلام الظاهر هذا، هنا ذكر ( {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} ) فدلّ على أن هذا الناقض متعلقٌ بكلمة، نقض ماذا؟
نقض الإسلام الظاهر، وهذا يشمل النوعين المنافقين وغيرهم، لأن المنافقين قد أسلموا ظاهرًا ولم يؤمنوا باطنًا، فإذا أظهر شيئًا مما يخالف أصل الدين، وكان الحكم أنه من النواقض كفر بعد إسلامه، وكذلك إذا كان من غير المنافقين فالحكم يعتبر عامًا.
( {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ} ) ، ( {مَا قَالُواْ} ) هنا قيد الحكم على القول فدل على أن المعتبر هو القول ولا يشترط فيه الاعتقاد، لو قال لك قائل: ما الدليل على أن الكفر يكون بالقول؟ من الأدلة هذه الآية، لأنه قال: ( {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} ) . إذًا: مبنى الحكم هنا وهو التكفير والكفر هو على القول، [إذ لو كان الاعتقاد شرطٌ $ سبق] إذ لو كان الاعتقاد شرطًا حينئذٍ لقالوا: ما اعتقدنا، لا يتسلط الحكم على القول وإنما على الاعتقاد، لقالوا: هذه الكلمة نقول معنى لكن لم نعتقد، وإذا اشترطنا الاعتقاد في صحة إطلاق كفر بالقول على القائل حينئذٍ صح النفي للقول، فيقال: نحن ما كفرنا وإن قالوا كلمة الكفر لماذا؟
لانتفاء شرط التكفير بالقول وهو الاعتقاد، لكن الحكم هنا معلق بماذا؟
بالقول، فتنبه لهذا.
دلّ على أن الكفر معتبرٌ فيه القول ولو كان يحميهم عدم الاعتقاد لَنَفَوْهُ عن أنفسهم، يعني نفوا الاعتقاد وأقروا بالقول لأنهم يقصدون البعد عن الكفر. (أما سمعت الله كفرهم بكلمة) ولم يشترط هنا ولا في غيره الاعتقاد (مع كونهم في زمن رسول الله ويجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون) أعمال جليلة مع مَنْ؟ مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك أظهروا الإسلام وكفرهم الله تعالى، مع قولهم لا إله إلا الله.
(وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم: {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66] ) هؤلاء كانوا من المنافقين كما قال سبحانه في أول الآيات: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} [التوبة: 64] . إلى أن ذكر هذه الآية، فدلّ السياق على أنهم كانوا من المنافقين.