وأخرج ابن جرير في بيان قصة هذه الآية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلسه يومًا: ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء لا أرغب بطونا أو أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجلٌ في المجلس: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن بكفرهم. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( {أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} ) . إذًا: إذا قال لا إله إلا الله فاستهزئ بالله كسبٍّ ولعنٍ .. ونحو ذلك كفر، لو قال: لا إله إلا الله وأتى بسائر الأمور الشرعية واستهزئ بآيات الله بالقرآن سخر بالقرآن، كذّب بعض القرآن داخلٌ في الاستهزاء كفر، لو قال لا إله إلا الله واستهزئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كفر، بنص الآية ( {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} ) إذًا علَّق الحكم هنا على أي شيء لأنه حكم بكفرهم، وثَمَّ نواقض لأنهم منافقون علَّق الحكم على الاستهزاء فدلّ على أن الاستهزاء بواحدٍ من الأمور الثلاثة المذكورة يعتبر ناقضًا لأنه نقض إسلامهم الظاهر، وأما الباطن فهذا معلومٌ أنهم منافقون، حينئذٍ حكم عليهم بظاهرهم أنهم كفار، ولذلك إذا قلنا: بأنهم منافقون ما الفائدة ( {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ) ؟
الإيمان الظاهر الذي يكون بلا إله إلا الله، (فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله في غزوة تبوك) كانت عام تسع من الهجرة، ... (قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح) يمزحون يقطعون بها طريق ومع ذلك هي كلمة كفر، وحكم عليهم الرب جل وعلا بأنهم كفار، ولم يشترط فيه الاعتقاد، بل ولم يقال بإقامة الحجة عليهم، لأن الحجة قائمة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
إذًا: دلت هذه الآيات على أن هؤلاء كانوا منافقين وتكفيرهم لأجل ما وقع منهم من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فعلق الحكم وهو التكفير على الاستهزاء، (فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، ثم تأمل جوابها) التأمل التدبر (فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق) يعني: يُستدل عليهم - هذا أعظم - يستدل عليهم بما حكموا هم به بالكفر على من قال: لا إله إلا الله بجحد الصلاة أو جحد البعث .. ونحو ذلك وبإجماعات الصحابة في قصة عليّ وكذلك المرتدين.