إذًا: (ما حكى الله) يعني: ما قص الله عز وجل في قصة بني إسرائيل، وجه الاستدلال أن المسلم الذي يتبع نبيًّا - وهم قد اتبعوا موسى عليه السلام - قد يتخذ إلهًا مع الله، وهم قد فهموا أن العكوف على الأصنام تقربًا عبادة {فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا} [الأعراف: 138] ما قالوا اجعل لنا صنمًا {فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا} إذًا فهموا من تلك الحال قوم يعكفون على أصنام أنه تأليهٌ لهذه الأصنام، أليس كذلك؟ فهموا أن هذا الوصف وهذا الفعل العكوف على الأصنام أنه تأليه لتلك الأصنام، فلذلك طلبوا إلهًا يُعبد في الأرض كما ثَمَّ إلهٌ يعبد في السماء {فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا} نتوجه إليه في الأرض كما نتوجه إلى الله تعالى في السماء. إذًا عندنا عكوف، وعندنا {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ} لِمَ؟ طلبًا للبركة، عندنا عكوف، وعندنا طلب بركةٍ، كلٌ منهما عبادة مستقلة، وكلٌ منهم شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، هنا لما طلبوا وهم لم يفعلوا - كما سيأتي في الشبهة على هذه القصة - حينئذٍ لم يخرجهم الطلب عن مجرد الطلب عن كونه مسلمين لأنهم نهوا وكفوا ولم يفعلوا فحكمنا عليهم بكونهم مسلمين على الأصل، {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138، 139] ، (وقول أناسٍ من الصحابة:"اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط") هذا حديث أبي واقد الليثي رض الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى حُنَيْن مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، ذات يعني: صاحبة، أنواط جمع نوطٍ وهي ما يُعلق عليه الشيء، شجرة يعلقون عليها أسلحتهم طلبًا للبركة، وهذا شرك أكبر أن يُطلب من الشجرة البركة كما يطلق من عبد القادر الجيلاني، أو الحسين، يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى» وفي بعض الروايات «الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم» وفي بعض الروايات «سَنَنَ من كان قبلكم» . (وقول أناسٍ) يعني: من الصحابة (اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط"فحلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا مثل قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا) إذًا طلبٌ للتأليه، ففعلهم حينئذٍ يكون عبادة يُتوجه بها إلى غير الله تعالى، إذ لا يكون الشيء الذي تُوجه إليه بعملٍ أو قولٍ مألوهًا إلا إذا كان ذلك القول أو الفعل عبادة، نعم، لا يكون الشيء مألوهًا إلا إذا تُوجه إليه بقولٍ أو فعلٍ وحكمنا على هذا القول أو الفعل بأنه عبادة وإذا لا يكون مألوهًا، لأن المألوه المراد به المعبود الذي صُرفت إليه شيءٌ من العبادة."