فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 446

المثال السادس: ما جاء في قصة موسى عليه السلام، وكذلك حديث أبي واقد الليثي قال رحمه الله تعالى: (ومن الدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله عز وجل عن بني إسرائيل) . إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وبنو إسرائيل هم اليهود (مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ) هذه الآية قلنا: وجه الاستدلال بها أن المسلم الذي يَتَّبِعُ النبي قد يَتَّخِذُ إلهًا مع الله، وهؤلاء كما قال المصنف هنا: (مع إسلامهم) . هم مسلمون فروا من فرعون ودينه، فحينئذٍ فروا بدينهم من الكفر وهم مسلمون وآمنوا بموسى عليه السلام وهاجروا، (وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ) حينئذٍ يدل هذا النص على أن المسلم الْمُتَّبِع للنبي قد يَتَّخِذُ إلهًا مع الله عز وجل، هذا وإن كان بجهلهم - كما سيأتي - إلا أنه قد حصل ووقع، وهم علماء في الأصل وهم متبعون لموسى عليه السلام فهم مسلمون، ومع ذلك قد طلبوا إلهًا مع الرب جل وعلا، وهم قد فهموا أن العكوف على الأصنام تقربًا عبادة {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف: 138] {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} فهموا أن العكوف على الأصنام تأله وتعبد، حينئذٍ يكون فيه صرف العبادة لغير الله جل وعلا، ومع ذلك طلبوا إلهًا مع الله جل وعلا، ولذلك قال بعضهم: إلهًا نتوجه إليه في الأرض كما نتوجه إلى الله تعالى في السماء. وهذه الآية ذكر البغوي في تفسيرها - لأنه ينبني على الفهم حديث أبي واقد الليثي قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138، 139] . قال البغوي: قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} . قال الكلبي: عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه وصامه شكرًا لله عز وجل، {فَأَتَوْا} مروا {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ} ، {يَعْكُفُونَ} العكوف هو الإقامة اللازمة يقيمون، قرأ حمزة والكسائي (يَعْكِفُونَ) بالكسر كسر الكاف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان عَكَفَ يَعْكِفُ يَعْكُفُ {عَلَى أَصْنَامٍ} أوثانٍ {لَهُمْ} يعبدونها من دون الله تعالى. قال ابن جُرَيْج: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل. إلى أن قال البغوي رحمه الله: {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} . أي: مثالًا نعبده. وحينئذٍ توجهوا بالعبادة لغير الله جل وعلا، وهذا المراد بهم مجرد طلب لم يفعلوا، وإلا - كما سيأتي - لو فعلوا لكفروا، أي: مثالًا نعبده. {كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} ولم يكن ذلك شكًّا من بني إسرائيل في وحدانية الله. هكذا قال البغوي وقول غيره من أئمة التفسير، ولم يكن ذلك يعني: طلب الإله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت