إذًا التوحيد أل هذه نقول: للعهد الذهني. أو نقول: عرَّفه بأهم أنواعه وأل حينئذٍ تكون للعهد الحضوري، لا يمكن أن نجعل أل هذه نائبة عن مضاف إليه على طريقة الكوفيين كأنه قال: توحيد العبادة إفراد الله. وهذا جائز عند الكوفيين ممتنع عند البصريين، فيحذف المضاف إليه ويعوض عنه أل، فأل تكون نائبة عن المضاف إليه أو نقول: تعريف للشيء ببعض أفراده. قال: (هو) . أي: هذا التوحيد. (إفراد الله) سبحانه (إفراد) هذا مصدر أَفْرَدَ يُفْرِدُ إِفْرَادًا، والإفراد لا يكون الشيء منفردًا عن غيره متميزًا عن غيره إلا بشيئين اثنين لا ثالث لهما، إثبات تام ونفي عام. فالإثبات المحض ليس بتوحيد، النفي المحض ليس بتوحيد، كل منهما لوحده لا يسمى توحيدًا، لأن النفي المحض تعطيل مطلق، والإثبات المحض لا يمنع الشركة، فإذا قلت: زَيْدٌ قَائِمٌ. أثبت القيام لزيد، وغير زيد يحتمل أنه قائم ويحتمل أنه ليس بقائم، أليس ذلك؟
هل الإثبات هنا زَيْدٌ قَائِمٌ منع الشَّرِكَة بأن يشارك غير زيد زيدًا في الحكم وهو القيام؟
الجواب: لا، إذًا لا بد من ماذا؟
من أمرين اثنين لتحقيق هذا الإفراد، وهو أن يقال: مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ. مَا حرف نفي، وَزَيْدٌ مبتدأ، وَإِلا حرف استثناء، وَقَائِمٌ هذا خبر. وهذا يسمى عند البيانيين وأرباب البلاغة أعلى صيغ الحصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن ما عداه، كأنه قال: مَا قَائِمٌ إِلا زَيْدٌ، لَمْ يَقُم إِلا زَيْد فقط، يعني: من جهة المعنى مَا قَائِمٌ إِلا زَيْدٌ لم يوصف بالقيام إلا زيد، ومن عدا زيد عمرو وخالد وغيرهم هؤلاء ليسوا بقائمين، فأثبت القيام لزيد ونفاه عن غيره، لكن زَيْدٌ قَائِمٌ هذا نقول: إثبات محض لا يمنع الشركة، فغير زيد قد يكون قائم، وأما مَا زَيْدٌ لو قال هكذا نقول: هذا نفي محض وهو تعطيل محض، لا يفيد شيئًا. إذًا إذا قيل: الله إله. هل هذا توحيد؟ ليس بتوحيد أثبت الإلوهية لله عز وجل نعم أثبتها الله إله، أثبتها أو لا؟ أثبتها مثل زَيْدٌ قَائِمٌ، لكن هل نفى الإلوهية عن غير الله؟ لا، لا بد أن يقول: لا إله إلا الله. فأثبت الإلوهية لله سبحانه ونفاها عن ما عداه، ولذلك لا يتحقق التوحيد إلا بركني النفي والإثبات، نفي الإلوهية عمن سوى الله تعالى، وإثبات الإلوهية لله وحده جل وعلا، وهذا هو التعريف الذي ذكره المصنف. (إفراد الله) لا إفراد غيره، فهذا يتضمن إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، (إفراد الله) سبحانه هذه كلمة تنزيه وهو مصدر نحو غفران ويلزم الإضافة، هذا من الكلمات التي تكون ملازمة للإضافة، {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} [البقرة: 32] .
وفي المضاف ما يجر أبدا ... مثل لدن زيد وإن شئت لدا
ومنه سبحان، وفي المضاف ما يجر أبدًا يعني: ملازم للإضافة، قال: ومنه سبحان وذو ومثل، سبحان الله ما يقال سبحان هكذا، وإنما لا بد من إضافته وأما قول الشاعر:
سبحان من علقمة الفاجر