الجواب: لا، إذًا توفرت فيها شروط الاستغاثة الجائزة، حينئذٍ يكون دليلًا لنا لا علينا، ولذلك قال: (سبحان من طبع على قلوب أعدائه) . لا يميزون بين الحق والباطل، الْتَبَسَتْ عليهم الأمور، انقلبت عليهم الموازين صاروا يرون الجائز أنه دليل على ما يمنعون منه، (فإن الاستغاثة بالمخلوق) قيدها الحي الحاضر (على ما يقدر عليه لا ننكرها) نثبتها (كما قال تعالى في: {فَاسْتَغَاثَهُ} ) يعني: موسى. ( {فَاسْتَغَاثَهُ} ) يعني: استغاث موسى. موسى مفعول به ( {فَاسْتَغَاثَهُ} ) أي: طلب الغوث. ... ( {الَّذِي مِن شِيعَتِهِ} ) بني إسرائيل ( {مِن شِيعَتِهِ} ) من بني إسرائيل ( {عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ) قيل: المراد به القبطي. وقيل في قوله فيما سبق هذه الآية {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي: هذا مؤمن وهذا كافر، فيحمل هذا على ذاك، إذًا على المشهور ( {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ) يعني: فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، ( {مِن شِيعَتِهِ} ) يعني: من جماعته من حزبه بنو إسرائيل، وعدوه الذي ينتسب إلى فرعون، فهنا استغاثوا بموسى وهو حي قادر، وفرق بين الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فالأولى جائزة، والثانية ممنوعة، (وكما يستغيث إنسان) بعدما أورد النص قال المصنف (وكما يستغيث إنسان بأصحابه في الحرب وغيره في أشياء يقدر عليها المخلوق) هذا أمر محسوس دليل محسوس، وهو أمر جائز دلت عليه النصوص، أن يستغيث الإنسان بأصحابه وهم حاضرون في الحرب وغير الحرب، في أشياء وأمور يقدر عليها المخلوق، وأما إذا لم يكونوا حاضرين أو بأن يكونوا أمواتًا أو غائبين ليسوا حاضرين، أو كانوا حاضرين ولا يقدرون فالأصل فيه أنه ممنوع.
ثم قال المصنف: (ونحن أنكرنا استغاثة العبادة) . وهي طلب الغوث من الأموات أو من الغائبين مع اعتقاد أن لهم تدبيرًا في غيبتهم، ويكون معها رجاء وخوف ونحو ذلك، هذه الاستغاثة استغاثة العبادة، وهي ممنوعة لدخولها في قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} . إذًا الذي ... (أنكرنا) على المشركين هو (استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء) يعني: أموات. القبور إنما تضم الأموات، (أو في غيبتهم) سواء كانوا أمواتًا أو أحياءً، لأنه إذا دعا الميت في حضرته عند قبره يفارق فيما إذا دعاه وهو بعيد عنه، لأنه إذا كان في بلد وهو في بلد قال: يا سيدي عبد القادر. معناه أنه ادَّعَى له شيئًا زائدًا على ما ادّعاه له إذا كان عند قبره وهو أنه له تدبيرًا في الكون، وأنه يسمع نداءه، حينئذٍ وقع الشرك في الأسماء والصفات، إذًا (أو في غيبتهم) يعني: في غيبت الأموات، أو الأحياء (في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى) .