فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 446

وحقيقة العبادة الخضوع والذل، فإذا انضاف إليها المحبة والانقياد صارت عبادة شرعية، ولذلك سيأتي أن كمال العبادة إنما يكون أو أصل العبادة إنما يكون بكمال الحب والذل والخضوع لله عز وجل، لا بد من اجتماع هذين الركنين، وهذا قد دل عليه اللغة وكذلك ما انضاف إليه من الشرع، ولفظ العبادة هذا مصدر عبادة عَبَدَ يُعَبِدُ عِبَادَةً حينئذٍ في استعمال الشرع بالاستقراء يُطلق اللفظ ويراد به المعنى المصدري، ويطلق اللفظ ويراد به معنى اسميًّا صار عَلَمًا، كـ زيد إذا أطلق انصرف إلى معناه، فالاسم غير المسمى وقد يراد به المعنى المصدري، فحينئذٍ نقول: يطلق مصدرًا ومعناه التعبد الذي هو فعل الفاعل فعلكَ أنتَ يسمى عبادة، وتطلق اسمًا ويعنى به المتعبد به، فعلك يسمى عبادة، فعل الفاعل، وما تفعله من صلاة وزكاة وصيام يسمى عبادة، كونك تقوم تصلي تركع وتسجد نقول: أنت تصلي تفعل عبادة. والصلاة نفسها هي عبادة، حينئذٍ اختلف تعريف العلماء للعبادة باختلاف النظر إلى المصدر وكونه اسمًا، فتطلق العبادة يعني: اختلف أو اختلف نظر العلماء في تعريف العبادة باختلاف النظر إلى استعمال هذا اللفظ، فإذا نظرنا إلى المعنى المصدري حينئذٍ ننظر إليه من جهة ماذا؟ من جهة التذلل لله تعالى محبةً وتعظيمًا لفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به الشريعة، وهذا تعريف العبادة من حيث كونه مصدرًا، التذلل لله سبحانه محبةً وتعظيمًا بفعل أوامره يعني: دليل وجود هذا التذلل، ودليل وجود هذه المحبة في القلب هو امتثال أوامر الله تعالى، إن ادَّعى مدعي وجود هذا التذلل في القلب وأنه محب لله تعالى ومعظم لشرع الله تعالى ثم لم يمتثل ما أمر الله تعالى به نقول: كذبت في دعواك. وإن ادَّعى أنه يحب الله لكنه لم يمتثل أمر الله تعالى فهو مدَّعِي، ولذلك قيده الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى بقوله: بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به الشريعة.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: العبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل لا بد من اجتماعهما، لكنها لا تنفرد أبدًا عن معنى الاسم لا يمكن أن يدَّعي أن وجود كمال الحب مع كمال الذل في القلب، ثم لا يمتثل أوامر الله تعالى.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: هي التعبد. والتعبد هو غاية الحب وغاية الذل - يعني: كمال هذين الأمرين. - فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له. لم تكن عابدًا له، ولذلك # 26.01 يحب الأب ابنه حبًا شديدًا يكون ولعًا به لكنه لا يخضع له هل يسمى عابدًا له؟ الجواب: لا، يحب الرجل زوجته ولا يخضع لها حينئذٍ لا يسمى عابدًا، ومن خضعت له بلا محبة كالذي يعمل مع رئيسه مديره يخضع له لكن دون محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًا خاضعًا.

إذًا العبادة بالمعنى المصدري لا بد من اجتماع أمرين اثنين: كمال الحب، وكمال الذل. وهل يتصور هذا كمال الذل والخضوع في القلب دون تعبد لله عز وجل بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت