فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 446

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو دين الرسل الذي أرسل الله به إلى عبادِه) . (وهو دين الرسل) ما دام عرف توحيد العبادة أراد أن يبين المصنف رحمه الله تعالى أصلًا ثانيًا، وهو أن هذا التوحيد عليه أكبر إجماع في الدنيا، تعرفون الإجماع اتفاق طائفة من العلماء أو اتفاق الفقهاء أكبر إجماع في الدنيا قطعي هو اتفاق كلمة الرسل على توحيد الرب جل وعلا، وعلى أنهم دعوا إلى هذا التوحيد، وأنهم إنما أرسلوا من أجل دعوة الناس إلى هذا التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فإذا قيل لك: ما أكبر إجماع قطعي؟ تقول: إجماع الرسل على توحيد العبادة {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} [النحل: 36] {فِي كُلِّ أُمَّةٍ} هذا عموم مطلق ولم يخص ولم يرد ما يخصصه فهو محفوظ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] هذا هو حقيقة التوحيد، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ... [الأنبياء: 25] (وهو) أي: توحيد العبادة. (دين الرسل) الدين يُطلق ويراد به الجزاء، ويطلق ويراد به العمل، ويطلق ويراد به الاعتقاد، يعني: يطلق لفظ الدين ويراد به الجزاء والعمل والاعتقاد، ومنه ما نقرأ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] أي: مالك يوم الجزاء. ومنه المثل المشهور: كما تدين تدان. كما تدين أي: كما تعلم. تُدَان. أي: تُجْزَى. فجاء اللفظ هنا في هذا المثل بمعنيين كما تدين أي: تعمل. تدان أي: تجزى، ويشمل الاعتقاد والقول والعمل، يقال: يَدِينُ اللهَ ويدينُ للهِ يعني: يتعدى بنفسه وبالله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. يشمل الطاعة كلها والطاعة قد يراد بها طاعة القلب وطاعة اللسان وطاعة الجوارح، فشمل القول والاعتقاد والعمل، فالعمل بالجوارح داخل في مسمى الدين عند الرسل أجمعين، فدين الرسل يشمل كل ما جاءوا به من اعتقاد أو قول أو عمل، لكن المصنف رحمه الله تعالى أراد به يعني: بدين الرسل هنا أهم أفراده وهو التوحيد، بل لو قيل: بأن التوحيد لو أطلق في مثل هذه المواضع صار له حقيقة شرعية لَمَا بَعُدَ، لأن دعوة الرسل والقرآن كله من أوله إلى آخره ما من قصة نبي يخاطب قومه إلا ويذكر لهم {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، فإذا أطلق التوحيد في مثل هذه المواضع انصرف إلى التوحيد الذي وقع فيه النزاع، فحينئذٍ صار له كالحقيقة الشرعية، فأل حينئذٍ تكون للعهد الذهني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت