فالواقع المختلط اليوم هو واقع احتلال للدول الإسلامية (عدو صائل على أرض الإسلام) ، وهذا العدو الصائل جعل له بديلًا في إدارة الدول المحتلَّة، بحكومات عميلة له؛ وهي الحكومات التي تحكم بلاد المسلمين اليوم، وعلى هذا أصبح الواقع مختلطًا بحكومات مرتدة وشعوب مسلمة على أراضٍ إسلامية، ثمَّ إنَّ القائم بدفع هذا الاحتلال والحكومات العميلة المرتدة التابعة لهذا المحتل ليست الشعوب؛ بل هي جماعات وتنظيمات اضطرَّت اضطرارًا لتأدية أمرٍ شرعيٍّ وفرضٍ عينيٍّ في دفع العدو الصائل، ولهذه التنظيمات وهذه الجماعات أحكام خاصَّة بها ليست كأحكام الدول الإسلامية، تقوم هذه الأحكام على الأولويات وعلى الضروريات داخل هذه الجماعات؛ والتي يقدِّرها أهل العلم والقيادة داخل هذه الجماعات؛ على ألاَّ تخالف الأصول الشرعية الثابتة التي من أجلها قامت هذه الجماعات وأوُّلها التوحيد وإقامته، وبالوسيلة المشروعة التي شرعها الله وهي الجهاد في سبيل الله، وهذه الوسيلة هي الواجبة الآن، وهي فرض عين على الأمَّة الإسلامية في دفع العدو الصائل؛ لإقامة التوحيد وحاكمية الشريعة.
فجهل المنتسبين للإصلاح الإسلامي لهذا الواقع المختلط، جعلهم يدعون لإقامة الشريعة في ظلِّ وجود الاحتلال المباشر والغير مباشر (العدو الصائل) ؛ ممَّا جعلهم يتنازلون عن دعواهم لتحكيم الشريعة واستبدالها بالديمقراطية وشرعتها، ولن يتمَّ مشروع تحكيم الشريعة إلا بدفع العدو الصائل الذي هرب منه كثير من المنتسبين للتيارات الإسلامية.
والناتج عن ترك الجهاد ودفع العدو الصائل؛ هو فقه التنازلات والبحث عن بقاء تلك الجماعات والسعي لكسب الرضا عنها من المجتمعات المختلطة والدول الكافرة ولو خالف ذلك الأصول الثابتة؛ فهذا من أنواع تثبيت الاحتلال والمساعدة على بقاء سياسة الحكومات البديلة للاحتلال؛ كما هو مشاهَد اليوم، وهو الناتج من الفهم الخاطئ للواقع المختلط.
فمن كان بالأمس يكفر بالديمقراطية أصبح اليوم يقرُّها ويدعو الناس إليها، والديمقراطية هي من أنواع الاحتلال، حيث إنَّ الحكم فيها يكون لغير الله والرئيس يأتي بالأغلبية التي لا يُشترط فيها العدالة، والتشريع يكون للشعب، وهذه الديمقراطية هي مفروضة من المحتلِّ كأصلٍ لإقامة الحكم، وبالقوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية أصبحت تحافظ الحكومات على نشر الرذيلة والانحرافات العقدية، تحت مُسمَّى حرية الرأي وحرية الفكر، ممَّا جعلها تُقيم مشاريع إعلامية للهيمنة والسيطرة على المجتمعات بالغزو الفكري والأخلاقي، ويكون هناك انسلاخ عن المبادئ والأخلاق الإسلامية، والتي كانت ترجو الشعوب الإسلامية أن تحقِّقها لها تلك الجماعات الإسلامية التي أصبحت تمثِّل الحكومات الإسلامية البديلة.
وعلى هذا فإنَّ الأصوات الإصلاحية المنادية والتي تطرح البرامج الإصلاحية لسياسة الجهاد، يجب أن تضع في اعتباراتها أنَّ سياسة الجهاد هي سياسات تنظيمية، ليست سياسة دولة، فيجب التفريق بينهما، وهي تقوم على فقه واقع الجماعة، وفهم واقع وظروف الدولة التي تعمل فيها، فسياسة الجماعة هي سياسة إدارة أفراد كمنظومة هيكلية، قائمة على أولويات مرحلية (أمنية، إعلامية، عسكرية، دعوية .. إلخ) تخاطب المجتمعات الإسلامية وتحرِّض على دفع العدو الصائل وتبيِّن الأحكام الشرعية لذلك، وتخاطب العدو بسياسة الإرهاب والدعوة.