فالمجاهدون في سبيل الله هم أهل الإرهاب لأعداء الدين، وهم من يدافع عن حمى الإسلام وأهله، وهم الذين لا ينخذلون بخذلان الناس لهم، ولا يتضررون بمخالفة القليل لهم ولا الكثير، وطريق الجهاد هو طريق يميز الله فيه بين الخبيث والطيّب، فالطيبون يثبتهم الله بفضله في المواقف والشدائد ولا يضرهم المرجفون والمخذّلون، وأما الخبيثون فيسقطون وينخذلون نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران 179] .
وأما القاعدون بلا عذر؛ لا هم نووا الجهاد ولا هم عدّوا له، ويحسبون أنهم يحسنون، فهؤلاء يتقلبون بين صفات المنافقين وهم لا يشعرون، ولو تدبروا فعل الله بهم وكيف حفظ الله صف المجاهدين منهم ومن شرهم لعرفوا حقيقة أمرهم، يقول الله تعالى عنهم: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين} [التوبة 46] .
قال السّعدي رحمه الله:(يقول تعالى مبيّنًا أنّ المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأنّ أعذارهم التي اعتذروا بها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر.
وأما هؤلاء المنافقون فـ {لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} معكم في الخروج للغزو {فَثَبَّطَهُمْ} قدرًا وقضاءً، وإن كان قد أمرهم وحثّهم على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبّطهم {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} من النساء والمعذورين، ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا} أي: نقصًا {وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ} أي: ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم {وَفِيكُمْ} أناس ضعفاء العقول {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبَّطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفًا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم)انتهى كلامه رحمه الله.
وقد بين الله صفاتهم في كتابه، وأنزل فيهم الفاضحة سورة براءة حتى يتبين المؤمنون منهم ويتفطنون لهم إذا دخلوا معهم في الصف، وهم على المجاهدين شرٌ دائم، وكما فعل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول في أُحد يوم خذل ثلث الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمات، وما زال شر أشباهه يدندنون بكلماتهم على المجاهدين إلى اليوم، والمصيبة أنهم يحسبون أنهم على حق، وأن المجاهدين في دفعهم للعدو الصائل مخطئون في جهادهم واجتهادهم، وينكرون عليهم طرق جهادهم وهم لا يفقهون معنى الجهاد! وربنا سبحانه يبين