فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 113

لنا أنهم لا يفقهون، وسبب عدم فقههم هو عقوبة من الله لهم لتركهم الجهاد الذي ينكرون على القائمين به، قال سبحانه وتعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة:87] .

يقول السّعدي رحمه الله: ( {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} أي: كيف رضوا لأنفسهم أن يكونوا مع النساء المتخلفات عن الجهاد، هل معهم فقه أو عقل دلهم على ذلك؟ أم طبع الله على قلوبهم فلا تعي الخير، ولا يكون فيها إرادة لفعل ما فيه الخير والفلاح؟ فهم لا يفقهون مصالحهم، فلو فقهوا حقيقة الفقه، لم يرضوا لأنفسهم بهذه الحال التي تحطهم عن منازل الرجال!) اهـ.

وتعظم المصيبة إذا كان القاعد عن الجهاد يعيش في أرض العدو الصائل وينكر على المجاهدين الذين يدفعون ذلك العدو الذي صال على أرض الإسلام وفعل فيها وفي أهلها ما يعجز القلم عن كتابته ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن فقه الحرب وأراضي الجهاد تختلف عن فقه السلم، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الفقه عندما رأى أبا دجانة رضي الله عنه يتبختر بين الصفين يوم أُحد بقوله في الحديث الذي رواه البيهقي:"إنّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللّهُ إلّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ".

والمشاهد للحرب من خارج ميدان المعركة عن طريق الإعلام العميل وما يصوّره للناس يجعل من أهل الخير أناس يتأذون مما يشاهدون، فتقصر عقولهم عن الحقيقة، فيتكلمون بما لا يعلمون، ولذلك يقول تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ، والأصل شرعًا وعقلًا هو التثبت من الأمر كما حصل مع رسول الله صلى الله وسلم عندما أرسل الوليد ابن عتبة إلى الحارث بن ضرار ليأخذ الزكاة، فعندما قرب من ديار بني المصطلق فرق وخاف منهم ثم رجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يخبره أنهم رفضوا إعطاء الزكاة، فأرسل رسول الله بعثًا ليقاتلوهم، وعندما خرج البعث من المدينة إذا بالحارث بن ضرار قد جاء إلى المدينة ليدفع الزكاة، والقصة بطولها عند الإمام أحمد في المسند وغيره، فأنزل الله في هذه الحادثة قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات 6] .

وهذا ما يريده العدو عندما يفتح أرضه للمسلمين ويسهّل عليهم دخولهم لها وخاصة أهل الشأن منهم والذين تضيق بهم السبل من الابتلاء من قبل حكوماتهم ويعجزون عن الذهاب إلى أراضي الجهاد ويسهل عليهم غيرها، وما جاء في قصة الثلاثة الذين خُلّفوا خير شاهد على مكر الأعداء وكيف يحاولون استقطاب أهل الرأي من بلدانهم إلى أراضيهم، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه في قصته عندما تخلف عن غزوة تبوك والكتاب الذي جاءه من ملك غسّان: (فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان وكنت كاتبًا، فإذا فيه: أما بعد؛ فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة؛ فالحق بنا نواسيك، فقلتُ حين قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء، فيممتُ به التنور فسجرته بها) [رواه البخاري] ، وفي هذه القصة من الفوائد لمن فقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت