ولذلك يجب أن يعرف كل منا مكانه وواجبه، فقيادة المجاهدين إما في مقدمة الجيش تقاتل وإما عن مقربة منه، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل، ففي بدر كان في العريش قريبًا من الحدث، وفي أُحد كان داخل الصف، وإذا أرسل سريّة أوصاها وبيّن لها المطلوب منها، وجعل لهم الاجتهاد فيما يطرأ عليهم كما حدث في معركة مؤتة، فلم ينكر عليهم، وكان الوحي ينزل من عند الله بما يحدث في المعركة، والرسول صلى عليه وسلم يكلم الناس ماذا يجري في المعركة وهو الصادق الأمين، وعندما رجع الجيش أنكر عليه المجتمع بسبب رجوعه وكان النساء والأطفال يحثُون عليهم التراب ويقولون لهم يا فرّارون، وكان صلى الله عليه وسلم يدافع عنهم ويبين حكمهم أنهم كرارون.
ثم من هم من غير القادة ففي مقدمة الجيش ومؤخرته وحراسته، وكل له عمل يكلف به من الأمير، وقد بين ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الساقة كان في الساقة وإن كان في الحراسة كان في الحراسة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع، طوبى له ثم طوبى له" [رواه البخاري] .
ثم أُناس لم يتمكنوا من الجهاد لعذر، وهؤلاء لهم ما للمجاهدين من أجر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال:"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر" [رواه البخاري] .
وحالهم عندما خرج المجاهدون وهم باقون وصفه لنا ربنا سبحانه لنفقه معنى الصدق عند فوات عبادة الجهاد فقال جلّ وعلا: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة 92] ، يقول سيّد رحمه الله معلقًا على هذا الحدث: (ولا جناح كذلك على القادرين على الحرب، ولكنهم لا يجدون الرواحل التي تحملهم إلى أرض المعركة، فإذا حرموا المشاركة فيها لهذا السبب، ألمت نفوسهم حتى لتفيض أعينهم دموعًا، لأنهم لا يجدون ما ينفقون وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه) انتهى كلامه رحمه الله.
وفي الختام أوصي إخواني المجاهدين في الثغور ثبتهم الله وأعانهم على أعدائهم:
أولًا: عليكم بتقوى الله في السّر والعلن فهو سبب النصر بإذن الله.
ثانيًا: اعلموا أن الله ما منع عنكم نفير كثير من الناس إلا رحمة بكم وحفاظًا على وحدة صفكم من التفرق والشقاق.
ثالثًا: إن ما تسمعون من بعض القاعدين عن الجهاد من الأذيّة من إرجاف وتخذيل واتهامات؛ إنما هو خير لكم، فقد يكون فيكم من يعبد الله على حرف وبقول البشر ويتعلق بالأشخاص، فخروج هؤلاء منكم هو خير لكم.