فانظرن كيف بشرها الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة العظيمة، بل دعا لها، وكيف هي كررت الطلب مرة أخرى حرصًا منها على هذه الأجر العظيم، الذي لا يحرص عليه إلا من كمل إيمانه واشتاق قلبه إلى الله الواحد الأحد والرحيل إلى الجنان التي وعد الله المجاهدين بها إن قتلوا في سبيل الله.
فلا تحزنّ يا نساء الإسلام والجهاد في هذا الزمن الذي أصبح فيه المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فالأصل أن تكون أم صهيب وأم الرباب وأم الزبير، ومن معهن من أخواتنا في السجون -ثبتهن الله وفرج عنهن- أن يعاملن كما عامل عمر بن الخطاب أم سليط رضي الله عنها، كما في صحيح البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: (أم سليط أحق، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، قال عمر: (فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) ، (تزفر: تخيط) .
فلم ينس عمر رضي الله عنه فضل أم سليط بعد طول السنين في ذلك الموقف المشرف الذي وقفته أم سليط رضي الله عنها مع الإسلام والمسلمين، مجرد خياطة القرب للمجاهدين في تلك المعركة، فالحمد لله رب العالمين أن حفظ لنا الدين من زمن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى يومنا هذا حتى نراه واضحًا بيِّنًا عظيمًا في دروسه، ولم نعرفه فقط من هؤلاء العلماء الذين هم على دين الملك لا على دين الله إلا من رحم الله منهم.
والله الله في ثغوركن يا إماء الله {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران] ، فلن يخيب الله رجاءنا وجهادنا، وإن الأسر من عوارض الطريق، ولن يقع الأسر على العبد رجل كان أو امرأة إلا بتقدير العزيز العليم، وهو لطيف رحيم بعبادة، وليس منه نجاة إلا بالدعاء.
واعلمن أن أعظم ثغر تقمن عليه هو إلحاق الأجيال بالأجيال للجهاد في سبيل الله، فأنتن مدرسة، بل أنتن جامعة لتربية أطفال اليوم ليكونوا رجال الغد، وكل ميسر لما خلق له.
ومن كانت للإنفاق قادرة وميسورة؛ فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة فقال:"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" [رواه البخاري] ، وعليكن بالدعوة في مجتمعاتكم، واحرصن على اللقاءات بينكن تجددن بها إيمانكن ويقوي بعضكن بعضًا، تقرأن فيها ما ينفعكن في دينكن ودنياكن، ومن استطاعت منكن أن تحوز السلاح تدافع به عن نفسها فإنه أمر يحبه الله ورسوله، فلقد ضحك الرسول صلى الله عليه وسلم من صحابية حملة معها خنجرًا في أحد الغزوات، كما جاء في صحيح مسلم [باب غزو النساء مع الرجال] ، عن أنس أن أم سليم
اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال يا رسول الله: هذه أم سليم معها خنجرًا!، فسألها رسول الله:"ما هذا الخنجر؟"، قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.