والثبات على هذا الأصل العظيم؛ إنَّما هو بتوفيق الله عز وجل للإنسان، وبه يكون شرفه في الدنيا والآخرة، وقد سطّر الرّعيل الأول لأمتنا تاريخ عز وشرف، بحمل دين الإسلام العظيم، ومبادئه التي أحيوها على أرض الواقع، وضربوا بثباتهم عليها أروع الأمثال، فهم تربّوا في مدرسة محمدٍ عليه -الصلاة والسلام-، فغرس فيهم بذور الثبات والتضحية من أجل دينهم ومبادئهم.
والمتتبع لهذه البذور العظيمة، التي غرسها نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه، يجدها في أربعة أمور ظاهرة، وهي:
أولًا: الإيمان بالله، وهذا الأصل العظيم هو أساس كل مبدأ، فالإيمان بالله يجعل الإنسان حيًّا شجاعًا عزيزًا؛ لأنَّه يؤمن أنَّ الله هو المبدِئ والمعيد، وأنَّ الله هو الفعّال لما يريد، وأنَّ الله هو الضار والنافع، وأنَّ الله هو الرازق الناصر، وبأمره تقوم السماوات والأرض، وأنَّه على كل شيءٍ قدير، وكل ما تعرّف العبدُ على ربه؛ كان أكثر الناس أنسًا في الوَحشات، وثباتًا في الملمّات، وملحًا بالدعوات، وهذا هو صدق الإيمان بالله.
ثانيًا: تعظيم القرآن العظيم، وجعله منهجًا لحياة الإنسان، يستمدّ منه قانون حياته التي يعيش بها في عقيدته وأخلاقه وتعاملاته، والمتأمل لكتاب الله في السّور المكية؛ يجد أنَّ أغلبها تستفتح بالكلام عن تعظيم القرآن العظيم، كما هو ظاهرٌ من سورة الزُّمَر إلى سورة الجاثية، فكلها سورٌ مكية، تتحدث عن الله بصفاته وآياته وبيانه، فهو الدليل البين الواضح في طريق السير إلى الله، وهو الدليل في التعامل مع كل من خالف مبادئ القران بالحجة والبرهان، ويبين كيفية الصراع والتصادم بعد الظهور والحجة والبرهان مع الأعداء، وكما جاء في قصة نوح -عليه السلام- عندما قام بالدعوة التي أرسله الله بها في دولته التي كان يعيش فيها، فما كان من تلك الدولة وتلك الحكومة إلا العداء له ولأصحابه، فكانت سنةً لمن بعده من الأنبياء والرسل، وقد قص القرآن علينا منهجية من قبلنا الذين قاموا في دول كفرية بالتغيير، وكيف كانت تلك الجماعات الإسلامية التي كان يقودها الأنبياء والرسل، وقد كان لفرعونَ مع موسى -عليه السلام- قصص في العنف والمواجهة؛ تبين لنا منهجية كل طاغوت محارب لله ورسله عليهم السلام، وابتلاء لأتباعهم؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ثم بعد الابتلاء يأتي نصر الله، كما قال تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ، فالقرآن منهج كل مؤمن يؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًّا، ولن يكون الفلاح والنجاح والثبات على هذا الطريق؛ إلا بتعظيم القرآن واتخاذه منهجًا في كل صغيرةٍ وكبيرة.
ثالثًا: التضحية، فكلما كان المبدأ عظيمًا؛ كانت التضحية من أجله عظيمة، فمبدأ التوحيد وإقامة شرع الله على الأرض أمر عظيم، ولا يملك الإنسان شيئًا أغلى من نفسه التي بين جنبيه يضحي بها من أجل دينه، فمتى كان هذا هو المقياس الذي يقيس به العبد منهجه ومبدأه أنَّه أعظم من نفسه؛ هان عليه ما دونها {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111] ، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .