رابعًا: الصبر، وعليه مدار الأمر، فبالصبر يكون النصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وأن النصر مع الصبر"، وقليلٌ فاعله، وهو من أهمّ الزاد مع التقوى في الثبات على الدين وحمل مبدأ التوحيد والجهاد، فقد قال الله تعالى موجهًا عباده المؤمنين المجاهدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] وقد كان نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في مكة يربي أصحابه على هذا الأصل العظيم في أشد أنواع الابتلاء الذي مرّ بأصحابه، فكانوا يأتونه من شدة البلاء الذي يواجهونه من أعدائهم من كيٍّ بالنار، وضربٍ بالسياط، وغيره من العذاب، فيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون يا رسول الله: ادع الله لنا، فكان يجيبهم إجابة المربي لأناس سيملكون الأرض بعدل الإسلام، فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال:"شَكَوْنا إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بُرْدة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعو الله لنا؟ فقال: قد كان مَنْ قبلكم يُؤخَذُ الرجل، فيُحْفَر له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيها، ثم يُؤْتَى بالمنشار، فيوضَعُ على رأْسه، فيُجْعَلُ نصفين، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يَصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يَسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إِلى حَضْرَمَوْتَ، لا يخاف إِلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون" [رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي] ، وكان يربيهم ربُّهم سبحانه وتعالى بضرب الأمثال على الصبر في البلاء حتى يعلمون أن سنة الابتلاء هي مرحلة من مراحل الطريق لإقامة الدين وملك الأرض.
وقد كان أصحاب الأخدود وما قصّه الله في سورة البروج مسليًّا للصحابة في شدة ابتلائهم، عندما كانوا يُكوَون بالنار، ويوضعون على الأرض في شدة حرّ مكة، ويوضع على أجسادهم الحجارة، يقول تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} ، فكان حدث القوم من أصحاب الأخدود في جنوب الجزيرة العربية، وفي نجران خصوصًا أن كانوا على دين ملوكهم، فخرج غلام مؤمن على دين عيسى -عليه السلام-، فكان له أحداث في بلاده مع ملكه الطاغوت، وأكرمه الله بآية آمن له قومه، فحاول الطاغوت أن يردهم عن دينهم فلم يستطع، فما كان منه إلا أن خدّ الأخاديد، وأشعل النار فيها، وأدخل مجتمعًا بكل فئاته العمرية وأجناسه، أطفالًا وشيوخًا، نساءً ورجالًا في تلك النار،
ولم يتراجع أحد عن دينه ومبدأه، فوضْع السيف في النار ثم وضعه على الجسم؛ أهون من إدخال الجسم كله في النار، وهكذا كان القصص القرآني يعالج ويربي صفة الصبر عند المؤمنين، حتى يصغر بصبرهم كل بلاء.
ويستفاد مما ذكر:
أولًا: أن لكل إنسان ميزان نفسي، يزن به نفسه ومبادئه، فمنهم مَن نفسه أعظم عنده من ما يحمل من دين ومبدأ، وهذا كثير في الواقع، وآخرون دينهم ومبدؤهم أعظم عندهم من أنفسهم وأهاليهم، وهم قليل، وإن كانت دوافعه الإرشادية الدالة عليه كثيرة، ولكن تحتاج إلى توفيق من الله لها، ورجاء هذا التوفيق قائم على الصدق مع الله في