علمت أن إبراهيم مأمور من ربه-، قالت كلمة عظيمة يجب أن تفقهها كل امرأة عاقلة تؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا؛ وهو قولها: (إذًا لا يضيعنا) ، وهذا هو حقيقة التعلق بالله وبالإيمان به أنه هو الرزاق والحافظ والعون سبحانه وليس الزوج، فإذا فقهت المرأة المسلمة هذه المسألة العظيمة كانت هي العون لزوجها بعد الله سبحانه وتعالى في فعل الخيرات.
فالذي جعل هاجر تصل إلى هذا الإيمان العميق والفهم السليم؛ هو توفيق الله لها بسبب ما تربّتْ عليه في بيت النبوّة بيت إبراهيم -عليه السلام- لا ما تربّتْ عليه في قصر الطاغوت، فكلما كان البيت محفوفًا بالإيمان وكان الرجل متمسكًا بالدين؛ كان أهله أقرب إلى عونه بعد الله في حمل تكاليف هذا الدين، وهذا ما يحتاجه كثير من الرجال في هذا الزمان، نساء كهاجر -عليها السلام- لا تثبّطه عن أوامر الله وخاصةً الجهاد في سبيل الله، بل تزيده إيمانًا وطمأنينة، كما هو صنيع هاجر مع إبراهيم بقولها: (إذًا لا يضيعنا) .
وللقارئ أن يتأمّل كيف كان حال إبراهيم عندما طُلب منه أن ينفذ الأمر الإلهي، بإخراج ابنه وأم ابنه ووضعهما في مكانٍ الغالب عليه الهلكة، فهل تباطأ؟، أو تأوّل؟، أو ذهب يطلب الأعذار الشرعية؟، أو رجّح عاطفة الأبوّة التي كان يتمناها؟، لا؛ بل استجاب لأمر الله الذي قدر الأقدار على جميع خلقه، ولم يُثنه حبّ النساء، ولا حب الأبناء.
وعندما انقاد إبراهيم لأمر الله؛ أكرمه الله وأكرم ابنه وأم ابنه في تلك القفار الخاوية، فقد تركهما هناك ونفد عليهما التمر والماء، وجفّ على هاجر حليبها، وذهبت تبذل السبب في إيجاد الماء والطعام؛ لتسكت جوع ابنها، وكانت
تهرول بين الصفا والمروة، جبلين تنظر من أعلاهما هل من معين، وعند الشوط السابع جاءت الكرامة من الله {خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين} وإذا بجبريل قد ضرب الأرض بجناحه، فإذا بالماء ينبع من تحت قدم إسماعيل فجأة، فإذا بأمه تزمّه زمًّا فسمي بزمزم، وكان ميزة زمزم أنه كما قال صلى الله عليه وسلم:"زمزم لما شرب له" [رواه أحمد] ، فمن شربه مريضًا شفاه الله، ومن شربه جائعًا أشبعه الله، ومن شربه ظامئًا أرواه الله، وكان هذا الابتلاء لإبراهيم مع ابنه في الصغر، وعندما كبر إسماعيل وبلغ معه السعي وكان تعلق إبراهيم به أكبر، أراد الله أن يتخذ إبراهيم خليلًا، والخلة هي أعلى مقامات المحبة، وهذه المحبة لن يصل إليها أحد حتى يخلو قلبه من كل أحد إلا الله، ولم يصل إلى هذا المقام سوى اثنان من العالمين إبراهيم -عليه السلام- وابنه محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى عن إبراهيم: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" [رواه مسلم] ، فكان الابتلاء لإسماعيل من أبيه -عليهما السلام- هو الذبح، وبيده، كما قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُو الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات] .
لقد تربّى إسماعيل -عليه السلام- في حجر أمه المؤمنة هاجر -عليها السلام-، كما تربّت هي في بيت زوجها إبراهيم على التوحيد، فكان لهذا وذاك أثرٌ إيجابيٌّ، ظهر في سلوك إسماعيل قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي