إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، وقام الخليل بعدما أسلما لأمر الله؛ طرحه على الأرض لينفذ فيه ابتلاء الله له؛ فسلب الله من السكين صفة القطع، فلم تقطع، وفدى الله إسماعيل بكبش من السماء تكريمًا له وسُنّة لمن بعده يتقرب بها إلى الله تعالى كل سنة.
روى الإمام البخاري في صحيحه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-:(أن إبراهيم عليه السلام جاء بأم إسماعيل وابنها إسماعيل -عليه السلام-، وهي ترضعه، فوضعها عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفا منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل، وقالت: يا إبراهيم؛ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء، قالت ذلك ثلاث مرات، وجعل لا يلتفت، فقالت له: أالله أمرك بهذا؟، قال: نعم، قالت: نعم إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، وانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند البيت استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يده وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم] ، فجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب مرّة من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجاع، وجعلت تنظر إليه يلتوي، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها وسعت سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فذلك سعي الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه، تريد نفسها، ثم سمعت أيضًا، فسمعت، فقال: قد أسمعت إن كان عندك غراث، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم يبحث بعقبة، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه، وجعلت تغرف الماء في سقائها وهي تقوم بقدر ما تغرف، قال ابن عباس: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا"، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافي من الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله) .
يُستفاد مما ذكر:
أن المؤمن الموحد قد يبتلى بالتكاليف الشرعية بما لا تهوى نفسه، فإذا عظم الإيمان أصبح هذا التكليف محبوبًا إلى النفس؛ لأنه أمر من الله، ومهما كان التكليف على النفس البشرية فيه شيء من المشقة ولكنه في طور الاستطاعة، وما يهونه على النفس ويجعله محبوبًا إليها هو الإيمان بالله وما أعدّه الله من أجر على ذلك العمل.
أن المؤمن إذا صبر على البلاء لله سبحانه وفي الله؛ كانت الكرامة والفرج نصيبه بإذن الله ومسليّة له في بلائه، وقد يكون الفرج في بعض الأحيان؛ هو القتل أي الشهادة في سبيل الله أو الأسر من أجل لا إله إلا الله، ولا يعقل ذلك إلا من عرف الله وتعامله مع أوليائه، وخاصة في مثل هذا الزمان الذي اشتدت فيه الغربة وأصبح الموحد غريبًا في كل مكان إلا في أسره أو ثغره مع إخوانه المجاهدين، فإنه يعيش لذّة الإيمان وحقيقة الدين.