وسنذكر في مقالتنا هذه -بإذن الله- بعض المراحل التي مرت بها الجماعة الأولى في نصرة الأسير:
المرحلة الأولى: الدعاء للأسرى وتصبيرهم وتذكيرهم بالأجر العظيم من الله تعالى:
عندما أظهرت الجماعة الأولى دعوتها بالصدع والتوحيد، ما كان من قريش إلا أن تعاملت مع هذه الدعوة بأعلى مقامات القمع من أسر وقتل، وكان من صور القمع أَسْرُ عائلة بأكملها؛ عمار بن ياسر وأمه وأبوه -رضي الله عنهم
وأرضاهم- وكانوا يمرّون بأصناف العذاب وأمام الناس أجمعين، ظاهرين لا في زنازين، وكان قائد الجماعة محمد صلى الله عليه وسلم يمرّ عليهم وينظر إلى حال أتباعه وهم مقيدون بالحبال، الرجال والنساء سواء، فلم يجعله ذلك المنظر يتنازل عن دعوته والصدع بها، ليخفف على أصحابه؛ حيث أن إقامة الدين مقدمة على النفس، بل كان صلى الله عليه وسلم يوصيهم بالصبر، ويعلق قلوبهم بالله وما وعدهم الله على صبرهم على الأذى فيه، فكان يقول:"صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"؛ لأن الابتلاء والأسر من مراحل الطريق، والنصر فيها هو بالثبات لا بالانهزام والتراجع، فلم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بالأخذ بالرخص، أو يبعث إليهم طلبة علم أو مشايخ يقنعوهم أن يتنازلوا عن دينهم ويقدموا التراجعات، وتُقتل سمية وزوجها ياسر -رضي الله عنهما- ولم يغيِّر ذلك في منهج الجماعة شيئًا، بل ثبتوا حتى جعل الله سبحانه وتعالى فرجًا في المرحلة التي بعدها، لمن بقي من الأسرى.
المرحلة الثانية: الفداء بالمال:
عندما يئس المشركون في مكة أمام ثبات الأسرى على دينهم وتوحيدهم، بدؤوا يتنازلون من العداء العقدي إلى المصالح، فكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- يمرّ على أصحابه المعذبين، ويعقد صفقات بيعٍ وشراءٍ مع المشركين الذين يأسرونهم، فكانوا يوافقون مباشرةً، فرضوا بالدنيا عن الآخرة، وبذل الصحابة الدنيا من أجل الآخرة، وهذا هو الفرق بين المنهجين، منهج يريد الدنيا ومنهج يريد الآخرة، فكان أبو بكر يشتريهم ويعتقهم لله، وهذه مرحلة الفداء.
المرحلة الثالثة: الرهائن وتبادل الأسرى:
وفي السنة الثانية من الهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة عبدالله بن جحش -رضي الله عنه- وكان في آخر أيام رجب من الأشهر الحرم، وأعطاهم رسالة وأمرًا ألا تُفتح حتى يخرجوا من المدينة بيومين، القصة مشهورة في السير والتفاسير وهي التي نزل فيها قول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ ... } الآية، والشاهد من القصة أن سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان -رضي الله عنهما- ضاع عليهما بعيرهما في أرض العدو، وهم في أثره يبحثون عنه، وعندما رجع عبدالله بن جحش ومن معه من أصحابه والأسيران، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد الأسيرين إلى قريش، توقف حتى يرجع أصحابه المفقودون في أرض العدو سعد وصاحبه، وأبقاهما رهينتين، وهذا من طرق النصرة في فك العاني؛ أن يجتهد في هذا الباب رجال ويبحثوا عن رهائن يفادوا بهم، وهي مرحلة إذا لم يكن للمسلمين جيش يدافع عن المسلمين ويهب لفك الأسارى من أيدي العدو -كما هو حالنا اليوم-.