فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 113

"إن من أشد الناس بلاء؛ الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" [رواه الإمام أحمد] ، فبلاء هؤلاء الرجال أعظم من غيرهم في ما يحملونه من إيمان وغيرة على محارم الله أن تنتهك، ولهذا أحببت أن أقف على قصة عظيمة وما فيها من فوائد لأهل التوحيد الغرباء في هذا الزمان، وكيف كان الابتلاء إذا لزمه الثبات والصبر يكون نتيجة له؛ الفرج والكرامة، وهذه القصة هي قصة أبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وكيف مرّ في ابتلاءات عظيمة، وكان عاقبة صبره فيها؛ هي كرامات إلهية، التي يكرم الله بها الموحدين عندما يُظهرون صدقهم في دعوتهم وصبرهم على الأذى فيها، وأن من صفة دعوة التوحيد أنها تعادى عند ظهورها في أي مكان وفي أي زمان من كل مخالفيها، وفي الحديث قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم:"لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي" [رواه البخاري] ، ثم يهدي الله من يشاء بعدها، وهو العليم الحكيم، ولنا أسوة في إمام الحنفية قال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة] .

فلقد نشأ إبراهيم عليه السلام في دولة كافرة مشركة بالله العظيم، ولها كل مقومات الدولة من رئيس ووزراء ومجتمع وقوة، واصطفاه ربه للتوحيد، وملأ قلبه إيمانًا برب العالمين، وفي هذا المجتمع الوثني كان إبراهيم يدعو إلى التوحيد، وينكر الكفر ويبيّن عجز آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وهو ما زال فتىً في بداية عمر شبابه، وأصبح المجتمع يسمع بإبراهيم ويعرفون عقيدته ومنهجه، ولكنهم أبوا أن يوحدوا ويتركوا عبادة آلهتهم، فبدأ إبراهيم عليه السلام يرتب عملًا باليد بعد الإنكار باللسان؛ ليزيل أكبر منكر يعصى به الله سبحانه، وهو الشرك بالله بالآلهة التي لا تضر ولا تنفع

بعدما قرّر إبراهيم أن يبدأ العمل باليد وهو تكسير الأصنام، فلم يذهب مباشرة إلى الأصنام ليكسرها، ولكنه بدأ بالترتيب لذلك.

دراسة الواقع:

إن تكسير الأصنام سيأخذ وقتًا، وسيكون له صوت، وسيكون عليه حراسة وهم السدنة، فلا بد أن يكون هناك وقت مناسب يتخلص من هذه الإشكاليات وهي الوقت والصوت والحراسة، فكان لا بد من دراسة الواقع والحال، وأن لكل دولة أوقات أو مناسبات يكون فيها ارتخاء أمني؛ يستطيع الرجل التنظيمي فيه أن يحدد هذه الأوقات عندما يكون هناك دراسة للدولة سياسيًّا واجتماعيًّا وجغرافيًّا، فإبراهيم عليه السلام كان مجتمعه الوثني ذا طقوس دينية متعارف عليها في مجتمعه، وتؤدَّى جماعيًّا، وهي يوم عيد، فاختار هذا اليوم لتنفيذ العمل، فعندما جاء هذا اليوم طلب منه قومه الذهاب معهم لتأدية هذه الطقوس الدينية، فتعذّر بعذر مقبول إيهامًا لهم {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات] ، أي: إني مريض، {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ} [الصافات] ، فذهب القوم إلى تأدية طقوسهم الدينية بعدما تركوا طعامًا لآلهتهم، وذهب إبراهيم ليؤدي عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ*مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} ، {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات] ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت