يَرْجِعُونَ [الأنبياء] ، فكان الوقت مناسبًا، وفيه متسع للعمل بأن يتم قبل أن ينكشف، وكان آمنًا من سماع الصوت حيث إن المكان خالي من البشر، وليس هناك حارس يحرس أو رقيب، فأتم عليه السلام عمله، ثم رتب طريقة للحوار؛ لكي يوصلهم إلى قناعاته العقدية وحقيقة دعوته التوحيدية، فجعل المعول معلقًا على كبيرهم -كبير الأصنام- الذي أبقاه حتى يكون شاهدًا على عجزه عن الدفاع عن نفسه وعن غيره، فلما عاد القوم إلى أصنامهم ليتبركوا، وجدوا أصنامهم قد كُسّرت، ولم يبق إلا كبيرهم، وبدأ السؤال {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات] ، {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء] عظمًا وفضاعةً بما حلّ بها، فكان الجواب مباشرة {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء] فلم يقولوا إبراهيم بن فلان، وإنما قالوا فتًى {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تصغيرًا لحاله، ولم يكن في ذلك الوقت من البشر أحد ينابذ الشرك ويدعو إلى التوحيد سوى إبراهيم عليه السلام، فأجمعوا عليه بالتهمة، {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء] ؛ ليسترهبوه عندما يرى أن القوم بأكملهم رئيس ومرؤوس قد اجتمعوا ليدافعوا عن آلهتهم التي حطمها عليه السلام فعندما بدأ الحوار والسؤال {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء] ، فأجاب برد يجعلهم بين خيارين؛ إما أن يصدقوا دعوته عليه السلام ويكذبوا أنفسهم، وإما أن يستكبروا قال تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء] ، فكان نتيجة لهذا الجواب الذي رتبه ملازمًا لعمله أن {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء] ، أي: أنهم صدقوا إبراهيم وعلموا يقينًا أن دعوته الحق، ولكن {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء] ، لم يرد الله لهم الهداية، {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء] ، فبدأت العداوة لإبراهيم عداوة عقدية لا تعرف الرحمة؛ لأن العداوة العقدية يتقرب بها المعادي إلى مألوهه الذي فرض عليه العداوة، فكان الانتقام من إبراهيم بأعلى مقامات الانتقام والقتل؛ {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء] ، وهذا هو الابتلاء العظيم الذي يمر به الموحدون عندما يصدعون بالتوحيد ويدعون إليه، فماذا كان حال إبراهيم عليه السلام عندما هُدِّد بإلقائه في النار، هل تراجع وقدّم الاعتذارات؟! أم ضعف وطلب المحاورات والنقاشات؟! لم يقل ولم يفعل سوى الاحتساب والصبر، والإيمان والتوكل على الله عز وجل وحسن الظن به سبحانه، وأجمل ذلك كله في قوله عليه السلام كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (حسبي الله ونعم الوكيل) ، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران] ، فإذا بالكرامة الإلهية من الله سبحانه وتعالى، أن خاطب النار مباشرة {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء] ، فأكرمه الله سبحانه بآية من آياته، وهي سلب خاصية الحرق التي في النار، فأصبحت النار بردًا وسلامًا لم يتأذَّ منها عليه السلام، فعندما يبتلى المؤمن الموحد من أجل توحيده ثم يصبر على البلاء ويحسن التوكل على الله، تأتيه الكرامات من الحي القيوم من الله سبحانه وتعالى بالفَرَج من حيث لا يحتسب؛ لأن الله جل وعلا يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس] ، فعندما يرى المؤمن هذه الكرامات وهذه المعية من الله الحي القيوم يزداد إيمانًا وثباتًا على دينه ودعوته.
ثم انتقل إبراهيم عليه السلام من هذا الابتلاء الذي كان فيه قتل النفس إلى ابتلاءٍ آخر، فقد أخرجه قومه من أرضه وموطنه حتى لا يؤثّر على جيله وتنتشر دعوته، قال سبحانه: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات] ،