وكان هذا الخيار هو دائمًا ما يفعله الطواغيت مع الأنبياء والرسل من نوح إلى موسى عليهما السلام قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم] .
فأخرجوه عليه السلام وكانت معه زوجته سارة، فوصل إلى دولة كافرة مشركة بالله تعالى، وكان لهذه الدولة قانون ونظام وضعه وشرّعه طاغوتهم، وكان من ضمن هذا النظام أن الرجل إذا دخل الدولة ومعه زوجته لا بد أن ينام معها الطاغوت، وإذا كان معه امرأة غير زوجته فلا يفعل شيئًا، وهذه صفة مشتركة في جميع الطواغيت؛ أي كسر كل معاني الغيرة والرجولة وأثرها من قلوب الرجال، حتى يصيّروهم عبيدًا في خدمتهم لا ينازعونهم في ملكهم ولا يجادلونهم في غيّهم وطغيانهم، فعندما رأى عسكرُ هذه الدولة إبراهيمَ معه زوجته سارة عليهما السلام، رأوا جمالًا قد وضعه الله فيها، وحسدوه عليها، وسألوه عنها، فقال لهم: هي أختي، كلمة يتقي بها شرهم على عرضه، ولكنهم عندما رأوا جمالها ذهبوا إلى طاغوتهم أخبروه وأغروه بها بقولهم أنها لا تنبغي لأحد غيرك، فخالف قانونه ونظامه الذي وضعه من أجل شهوته، وهذه هي طبائعهم في قوانينهم، وأنها لا تنفذ عليهم، فأمر أن يحضروها إليه فأخذوها من عند زوجها، وأدخلوها على الطاغوت الذي يشتهر عنه أنه زان وحرسه على بابه يحرسونه، فماذا كان من إبراهيم عليه السلام في هذا الابتلاء، وماذا فعلت سارة عليها السلام التي تربت على يدي إبراهيم إمام الحنفية، أما إبراهيم فرجع إلى الله الذي أنقذه من الموت وجعل النار بردًا وسلامًا عليه، وبدأ يدعو بأن يحفظ الله له عرضه وأن ينجي الله زوجه، وأما سارة فقامت تدعو ربها وتسأله سبحانه بتوحيدها وإيمانها برسوله وبحفظ فرجها إلا على زوجها أن يحفظها ويكفيها شر هذا الطاغوت، فكان الطاغوت كلما أراد بها سوءًا ومد يده إليها جمّده الله بالأرض وأيبس يده، فإذا به يتذلّل راجيًا من أمة الله المؤمنة الموحدة التي صانت فرجها إلا على زوجها بأن تدعو الله له أن يفك عنه ما هو فيه، وتكرر هذا الموقف ثلاث مرات كلما مد يده إليها بسوء جمّده الله وأيبس يده، وفي الثالثة أمر جنوده بعد أن وبّخهم أن يخرجوها ويعطوها خادمة تخدمها، فكانت المصطفاة هاجر عليها السلام بأن تكون خادمة لأكرم بيت وأعظم بيت قوامه التوحيد، فخرجت سارة من قصر ذلك الطاغوت وقد صان الله عرضها وحفظ عليها شرفها وأكرمها بجارية تخدمها وعادت إلى إبراهيم عليه السلام بهذه الكرامة من الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله {إني سقيم} ، وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} ، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنكِ امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها، ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها: مثل ذلك، ففعلت، فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر، قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف فقال لها: مهيم (أي: ما شأنك وما خبرك) ، قالت: خيرًا، كف الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا" [رواه مسلم] ، وفي رواية، أنها