فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 41

وفي هذا فائدة أن المحكم الذي جاءت العناية به وهو المفصل أن العناية فيه من وجوه:

الوجه الأول: أن الأحكام الشرعية الواردة فيه وطروء النسخ عليها نادر، فينبغي للإنسان أن يبادر بتعلمها.

الأمر الثاني: أنه ينبغي أن يتعلمها الصبية أكثر من غيرها، كما كان عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى, فإنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد جمعت المفصل، وهذا فيه إشارة إلى أن الصبية ينبغي أن يبتدئ معهم من السور القصار حتى يتجاوزوها إلى الأواسط وإلى الطوال.

كذلك أيضًا: فإن الإنسان ينبغي أن يعرف أقسام القرآن، من المهم جدًا أن يعرف الإنسان أحزاب القرآن حتى يقرأ بها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينوع في قراءته للقرآن، فكان يقرأ بالطوال في صلاة الفجر، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ بالقصار في صلاة المغرب، وبالأواسط في صلاة العشاء، فإذا ميز الإنسان الطوال والأواسط والقصار اتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان على هدى ونور.

ومن الأمور المهمة: أنه ينبغي لطالب العلم في أبواب الأحكام في حال التفقه في معرفته للمسائل الفقهية أن يعرف المحكم ابتداء, كما كان هنا في حال عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى وهو الذي دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (اللهم علمه التأويل) ، يعني: تأويل القرآن، ومعنى هذا أنه حينما دعا النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى بـ (اللهم علمه التأويل) فبدأ بحفظ وضبط المفصل, وذلك لكونه من المحكم؛ لأن هذا هو الذي يقع فيه التدين ابتداءً، فينبغي للإنسان ألا ينشغل بالمنسوخ عن الناسخ، بل أول ما يبتدئ به هو معرفة المحكم من كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الهدى وهو طريق الحق.

ويظهر في حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى الذي رواه البخاري في بيان ضبطه للمحكم أن هذا كان امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك أنه قال: إني جمعت المحكم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، يعني: أخذت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصل الجمع في هذا أنه لا يمكن أن يأخذه بواسطة من جهة الأصل, وإن أخذ شيئًا بواسطة فإن الأصل أن يأخذه من النبي عليه الصلاة والسلام لا من غيره.

وبهذا نعلم أنه ينبغي للإنسان أن يكون من أهل العناية بمعرفة المفصل قبل غيره على خلاف الطريقة التي يعتني بها بعض الحفاظ لكلام الله جل وعلا الذين يبتدءون بالسور الطوال, وذلك لمخالفة طرائق الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت