وقد جاء من غير هذا الوجه عند الطبراني من حديث عبد بن حسن عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إسناد ضعيف، وقد جاء من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله، و المغيرة بن شعبة، و أنس بن مالك، و أبي مسعود، و علي بن أبي طالب، ولا يصح منها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمثل ما جاء في ذلك هو عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر السابق وهو يدخل في أبواب التساهل.
وقد صحح هذا الخبر غير واحد من العلماء، وقد ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع وصححه في موضع آخر، والمعتمد فيما يظهر من قوله أنه يصححه كما نقل ذلك عنه ابن القيم، وأنه لم يدع ذلك مرةً في كل صلاة مكتوبة منذ عرف ذلك، يعني: الفضل الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأمر الثاني في مسألة فضائل آخر آيتين من سورة البقرة: جاء فيها ما تقدم الكلام عليه من حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في النورين اللذين أنزلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آخر آيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه) .
والمراد بكفتاه قيل: كفتاه عن ورده من الليل، وقيل: المراد بذلك كفتاه من الشيطان أن يوسوس له وأن يأتيه، وقيل: إنها كفتاه من الهم والغم والشرور على سبيل العموم. وقيل: إن المراد بذلك أنها تغني عن سائر ما اعتاده الإنسان من فضل كان يفعله في ليلة في حال تركه له.
وهذا لا يكون إلا لجلالتها، ويظهر فضلها في الكفاية, ويظهر أنه ما قرأ موضعًا أو حرفًا منها إلا أعطاه الله جل وعلا منها بقدر قراءته، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس وهو في الصحيح.
وأما ما جاء في قراءة آية الكرسي والآيتين من آخر سورة البقرة في الصباح والمساء, فالوارد في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ضعف كما تقدم الكلام عليه، وإنما هو في آية الكرسي في الليل عند النوم.
وأما آخر آيتين من سورة البقرة فإنها تقرأ في الليل ولا تقرأ في المساء، وفرق بين المساء والليل, وذلك أن المساء يبتدئ نهارًا، قيل: إنه من بعد صلاة العصر، وقيل: إنه من بعد صلاة الظهر، والأرجح في ذلك أنه من بعد صلاة العصر. فيقرأها ليلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من قرأها في ليلة كفتاه) ، ومن قرأها قبل المغرب لم يكن قد قرأها ليلًا، فيعلم أن قراءتها تكون من الليل بعد صلاة المغرب.