الصفحة 12 من 58

ومعلوم أن التوراة قد أنزلها الله جل وعلا على لغة بني إسرائيل من قوم موسى, وهذه اللغة إذا نالها التحريف من جهة المعنى وقلبت المعاني ومناسبات النزول وسياقاتها فإن الأحرف والألفاظ لا تغني أصحابها شيئًا إذا جردت من كتب التأويل والتفسير على غير المعنى, فإذا كانت كتب التفسير تطبق على خلاف معنى مراد الله جل وعلا منها، فلو قيل بعدم تحريف اللفظ بحسب الموضع فإنه يقال: إن وجود اللفظ كعدمه، ومن العلماء من قال: إنه لم ينل هذا الكتاب تحريف الألفاظ وإنما طاله تحريف المعاني حتى غلب عليه، وقد نص على هذا جماعة من العلماء؛ كالبخاري عليه رحمة الله فإنه قال ذلك في كتابه الصحيح, قال: فإنه لا يمكن أن يزيل أحد حرفًا من حروف الله جل وعلا في كتابه, وإنما تأولوه أي: قلبوا معانيه، وذهب بعض العلماء إلى أن فيه تحريفًا ولكنه قليل, وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله, وثمة طوائف قالوا: إنه كله محرف, ولا يوجد فيه شيء مما ينسب لله جل وعلا, حتى قيل في هذا: إنه لا ينسب لله، وإنما هو من أقوال الناس، ولو استنجى به الإنسان لما كان محرمًا, وهو قول مردود ممن حسم بهذا وجزم به ومع بعد هذا القول إلا أن الأمة قد اتفقت على تحريف المعنى فيه, وأن ما جاء فيه قد نسخه الله جل وعلا بشريعتين: الشريعة الأولى: شريعة عيسى, وأن من لم يؤمن من اليهود بشريعة عيسى عليه السلام فهو كافر, وأن الله جل وعلا قد نسخ الشريعتين شريعة النصارى واليهود بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه, وهذا لا خلاف عند العلماء فيه, أن الله جل وعلا قد نسخ سائر الشرائع السابقة بشرعة الإسلام, ولهذا قال جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت