والمسألة الثالثة في هذا: ما يتعلق بمسألة السلام على أهل الكتاب, جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام, فإذا وجدتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) ، معنى هذا الحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام) , هذا ظاهره مقيد بالبداءة, وأما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجدتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) ، المراد بذلك في حال التزاحم, يعني: أن الطريق هذا لا يحتمل إلا واحدًا فإن المؤمن في ذلك هو أولى من غيره, وهذا المراد به في بلدان المسلمين, باعتبار أن من كان في بلدان المسلمين من غير المسلمين أنهم لا يخرجون عن النوعين السابقين, إما أهل ذمة وإما أهل أمان, على ما تقدم الكلام عليه, وهؤلاء قد أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وثمة معانٍ يفهمها البعض على غير المراد وينزلها ويقطعها من فهم منظومة الإسلام وعلاقته مع غيره، قد يأخذ هذا النص بعضهم ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) ، ويخرم هذا الأمر ويقول: إنني أضطره في طريق ولو كان في بلده، فنقول: إن الشارع من جهة الأصل نهى أن يقيم المؤمن في بلدان المشركين إلا عارضًا وأن يظهر دينه, وقد جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء في المسند وكذلك في السنن من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال عليه الصلاة والسلام: (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) ، والمراد بهذه الإقامة هي الإقامة الدائمة بخلاف الإقامة العارضة كأن يذهب الإنسان مثلًا لعلاج أو يذهب لمصلحة عارضة من تجارة أو زيارة ونحو ذلك ثم يغادر, أو يكتسب علمًا عارضًا يلزم من ذلك استدامة الإقامة ونحو ذلك, فإن