الضرورات والحاجات تقدر بقدرها ولا تؤخذ بإطلاقها, وهنا لابد أن نعلم أن مثل هذه الإطلاقات مقيدة بالحالين؛ أن يكون أهل الكتاب في بلدان المسلمين وأن يكونوا من أهل العهد وأهل الذمة, وهذا من الأمور التي ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار، وكثير من بلدان المسلمين لهوان كثير من الشرائع والشعائر الإسلامية عند مشرعي الأنظمة والقوانين في تعاملهم مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو من المشركين ونحو ذلك, لم يكن ثمة صَغار لهم, وعلى هذا لم يكن لأحد أن يفهم هذا الدليل على وجهه, فإن الدليل الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاضطروهم إلى أضيقه) ، يعني: أنه ينبغي أن يقدم في مصالح المسلمين في بلدانهم من أمور الأموال وكذلك الحظوظ وطريقه ونحو ذلك في حال الازدحام أن يقدم المؤمن على غيره, باعتبار بلده وباعتبار دينه وباعتبار أن هذا قد دخل بلدان المسلمين وهو في كفالتهم وقد حمي وعصم دمه وماله، وشرط ذلك أن يكون صاغرًا كما في قول الله جل وعلا: يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ، وهذا يفهمه من نظر إلى حال اليهود والنصارى مع حمايتهم في زمن عمر وحفظ حقوقهم وما كانوا عليه من ذلة وصغار, وأما من أراد أن ينزل نصًا على مجتمع لم يطبق نصوصًا كثيرة جدًا فلا يمكن أن يستقر وأن يفهم هذا النص على سياقه. أما بالنسبة للبدء بالسلام فهذا النص جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمسألة هذه مما اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: ذهب جمهور العلماء -وهو قول الإمام مالك والإمام أحمد وذهب إليه الإمام الشافعي- إلى أن أهل الكتاب والكفار على سبيل العموم لا يبدءون بالسلام, وأن السلام من خصائص أهل الإسلام, وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام) ، وقالوا: مع ظهور النص لا حجة بقول أحد.