وإنما كانت خصائص النداء لليهود والنصارى في كلام الله جل وعلا في جملة من المواضع يذكر الله سبحانه وتعالى اليهود والنصارى ويناديهم بأهل الكتاب؛ وذلك لحكم وعلل: من أظهرها: أن أهل الكتاب هم أظهر الناس تمسكًا بالحق قبل مجيء الإسلام, فإن الناس كانوا يتيمنون بالحق الذي لديهم حتى الوثنيون, ولهذا قد جاء عند أبي داود في كتابه السنن وكذلك عند ابن جرير الطبري من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قال في قول الله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256] ، قال: كانت الأنصار حينما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إذا ولدت المرأة منهم وكانت مقلاة, يعني: إذا كانت تنجب ويموت في بطنها, تنذر أن الله جل وعلا إن سلم لها ولدها وخرج حيًا أن تجعله عند اليهود يرضعونه وأن تهوده, وهذا فيه إشارة إلى أنهم يتيمنون بالكتاب الذي لديهم, ولهذا وجه الله جل وعلا لهم الخطاب بذلك، فيدخل في الخطاب من كان غيرهم من الوثنيين من باب أولى. الأمر الثاني: أن أهل الكتاب هم أكثر أمم الأرض, فوجه الله جل وعلا لهم الخطاب باعتبار الأكثرية. الأمر الثالث: أن الحق الذي لديهم أظهر من غيرهم وهم أقرب إلى الاستجابة, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقى من العناد من المشركين من كفار قريش أكثر وأشد من العناد الذي لاقاه من النصارى, وهذا ظاهر بين, ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر من لعنه وكذلك دعائه ومقاتلته لكفار قريش أكثر مما كان لليهود والنصارى مع كثرتهم وكونهم ليسوا من أهل الإسلام وليسوا على الحق.