الصفحة 20 من 58

والذي يظهر -والله أعلم- أن الجزية تؤخذ من المشركين, وأن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يأخذ الجزية من المشركين أن ذلك باعتبار تأخر آية الجزية، وذلك في السنة التاسعة بعد أن لم يبق في جزيرة العرب أحد من الوثنيين إلا وقد دخل في الإسلام أو قتل أو أصبح طريدًا, وبقي أهل الكتاب في ذلك والمجوس, وهم الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض عليهم عليه الصلاة والسلام الجزية, وأما المجوس فهذا محل اتفاق عند العلماء ولا خلاف عندهم فيه، وقد جاء في ذلك جملة من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجاء أيضًا جملة من الأخبار في: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية على المشركين) , ومن ذلك ما جاء عند أبي داود من حديث أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أكيدر وهو على دومة الجندل, فجيء به مقيدًا, فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية وأطلق قيده) , وكان وثنيًا ومشركًا ولم يكن من أهل الكتاب, وكذلك عموم الأدلة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبل من المجوس, والمجوس أشد شركًا من الوثنيين, كما نص على ذلك غير واحد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، قال: الشرك في المجوس أظهر من عباد الأوثان؛ وذلك لشركهم في سائر أنواع التوحيد؛ في الربوبية والألوهية وكذلك الأسماء والصفات, فإن شركهم في أبواب الربوبية ظاهر, أظهر من كونه في كفار قريش, وإن كان كفار قريش شركهم في أبواب الربوبية موجودًا إلا أن أغلب شركهم يكون في توحيد الألوهية. وينبغي أيضًا أن يعلم أن الله جل وعلا قد قسم الناس المعادين للإسلام إلى قسمين: إلى كفار, ومنافقين، وقسم الله جل وعلا المنافقين إلى أقسام متباينة, وهم على درجات أيضًا, وليس هذا محل الكلام عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت